page contents
نقاشات الدستور

لا بُدَّ من تَفعيلِ دور الجَمعياتِ في صناعةِ مُجتمعٍ واعٍ ومُتحضِّرٍ في الدّستُور

بقلم الدكتور عطية يوسف

تعتبر الجمعيات بمختلف أشكالها وألوانها الشريان الحيوي الذي يدعم مسيرة تطور الشعوب في مجملها وأجزائها، من جمعيات الأحياء المحلية إلى الجمعيات الوطنية، من جمعيات الفنون إلى الجمعيات الخيرية والاجتماعية، من جمعيات أولياء التلاميذ إلى جمعيات التجار والمقاولين، ولأن تكتّل البشر يعد من سنن الحياة منذ الأزل نستطيع القول إن الجمعيات هي إحدى مظاهر ذلك التكتل، تسعى من خلالها مجموعة ما لخلق فرص أحسن وأكثر أو التخفيف من آثار الأخطار والتهديدات المحدقة بها.

أما الجمعيات في الجزائر عموما ، فلم تعرف تطورا كبيرا من حيث الكم والنوع، إذ نجد العديد من الجمعيات هنا وهناك إلا أن أثرها الذي أنشأت من أجله لا يكاد يرى، فلا جمعيات أولياء التلاميذ تقوم بالدور المنوط بها ولا الجمعيات الثقافية تقوم بتوعية المواطن الجزائري بالطريقة التي تجعله قادرا على تطوير نفسه وبيئته التي يعيش في نطاقها. وأكثر من ذلك ، فهناك العديد من الانتهازيين الذين رأوا في الجمعيات الخيرية والاجتماعية طريقة مقننة لنهب الأموال ووسيلة سريعة لبسط النفوذ والحصول على الامتيازات عبر الأنظمة المتعاقبة على المستوى المحلي والوطني، وهذا كله ساهم في تهرب فئة كبيرة من المواطنين من العمل الجمعوي؛ أي، أننا نستطيع القول إن غياب ثقافة العمل الجمعوي هي سبب ونتيجة في الوقت نفسه لكثير من الممارسات اللاأخلاقية من المواطن والإدارة.

إلا أن النظام الجديد في الجزائر يبدو أنه تفطن لأهمية الدور الجمعوي في النهوض بالأمة، ابتداء من جمعيات الأحياء والجمعيات الخيرية التي استطاعت أن تلعب دورا كبيرا في أزمة وباء كورونا، كما أن جمعيات الأحياء هي الخلطة السرية التي سيعتمد عليها النظام في تفعيل الرقابة الشعبية على أجهزة الدولة ومؤسساتها، التي نخرها الفساد والكسل إلى درجة لا يستطيع أي رئيس أن يرفع بها تحديا لتطوير البلاد اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا أو حتى معالجة أزمة ظرفية، ونجد ذلك واضحا من خلال التشجيع الذي تحظى به من وسائل الإعلام وتسهيل في إجراءات التأسيس، كما أن هناك تعديلا جوهريا في قانون الجمعيات بمسودة الدستور حول حل الجمعيات، والتي لا تكون إلا من خلال قرار قضائي، الأمر الذي سيعطي أمانا أكثر للجمعيات لتنشط وتحقق أهدافها في منأى عن كل ضغوط وابتزاز.

أما السؤال الذي يطرح نفسه،من جديد ، هو: “هل سيقتنع المثقف الجزائري بجدية التوجه الجديد للنظام، والمبادرة في الانخراط أو تأسيس جمعية لها أهداف من شأنها تحسين الجو العام وزيادة الوعي الجمعوي والجماعي للمجتمع الجزائري على مستوى الحي، البلدية والولاية والوطن؟”.

هناك العديد من المقترحات التي يمكن أن تدفع بالعجلة نحو الدوران وتحريك عجلات أخرى، لتبدأ المسيرة التي يتمناها كل جزائري في هذا الوقت بالذات، والبداية أكيد في تقييم ما هو كائن من حيث العدد والطابع (مجال الاختصاص)، من جهة. ومن جهة أخرى، حجم النشاطات ومدى تحقيقها للأهداف المسطرة وتأثيرها الحقيقي في المجتمع، كما أن تشخيص المشاكل التي تعاني منها الجمعيات وتبويبها في خانات متجانسة سيسمح بوضع ترتيبات وإصدار قرارات ناجعة ومفيدة بالتأكيد. ولأن السلطة والمواطن دائما ما يريدان الضغط على أزرار قليلة وواضحة، نستطيع القول إن هذا الأمر مستبعد نوعا ما إلا أنه ليس بالمستحيل، والبداية يمكن أن تكون بتفعيل كل من جمعيات أولياء التلاميذ، الجمعيات الثقافية والتعليمية وجمعيات الأحياء، هذه الأخيرة بالفعل قد تم التركيز عليها خلال أزمة كورونا إلى جانب الجمعيات الخيرية التي لا نرى فيها الحل السريع والأدوم للمجتمع الجزائري الذي لم يتعفن إلا بفعل سياسة شراء السلم الاجتماعي.

وعلى أساس ما سبق، نقترح على السلطة أن تفرق بين الجمعيات على أساس درجة الأهمية في مشروع الجزائر الجديدة، وتدعم الجمعيات ذات الأولوية سواء إعلاميا أو ماديا، أو من خلال تكوين ورشات عمل وأيام دراسية، تبين من خلالها أهمية المواطن الجزائري ودوره في تفعيل هذه الأنواع من الجمعيات، وهذا العمل بالذات هو من احد أهداف الجمعيات الثقافية والتعليمية التي يجب أن ترسخ لثقافة المواطنة، فتبين للفرد ماله وما عليه كي يكون المجتمع أكثر أمنا وازدهارا. أما جمعيات أولياء التلاميذ، فيجب أن نؤمن بأنها الجهاز الرقابي الأكفأ لتقييم وتقويم المنظومة التربوية من جهة، ومن جهة أخرى فهم وإيصال انشغالات تلك المنظومة للأسر والأهالي.

أما النوع الثالث من الجمعيات التي نرى فيها الأهمية البالغة لبناء جزائر جديدة هي جمعيات الأحياء؛ فهذا النوع من التكتلات هو الذي سيكون واسع الانتشار ويساعد الدولة الجزائرية في توعية المجتمع وحسه الثقافي، من خلال الحوار وفهم أبجديات اتخاذ القرارات من دراسة المشاكل والطرق الأسهل والأكفأ لحلها، والسلوكيات اللائقة وغير اللائقة لحياة أفضل يسودها الاحترام المتبادل. كما يمكن – من خلال هذا النوع من الجمعيات – فهم وترسيخ ثقافة المصالح المتبادلة على المدى البعيد، وعند بلوغ هذا المستوى من التفكير يمكن محاربة الفساد والرذيلة والإجرام في بداياته. ومن جهة أخرى، يمكن توفير المورد البشري السليم ليكون وقودا لعجلة التنمية والازدهار، فكم من مستثمر تراجع عن مشروعه بسبب ضعف المورد البشري وعدم الثقة بكفاءته، وكم من آخر أغلق مصنعه بسبب الإهمال والتسيب المستمر.

هذا، أكيد لا يعني ألا تشجع السلطات باقي الجمعيات، لكن نود أن يتم في المستقبل القريب أن تضغط السلطات على الأزرار الصحيحة، والتي لها تأثير قوي في بناء أجيال واعية وقادرة على تحريك عجلات أخرى تفيد البلاد والعباد، كما لا يفوتنا أن ننصح بوضع خطوط حمراء لكل فرد أو جهة تريد استغلال تلك الجمعيات لأغراض خاصة تفسد المال والفرد، فنحن في زمن البناء لا الهدم”.

د. عطية يوسف دكتور في إدارة الأعمال، وأستاذ محاضر في جامعة “العربي بن مهيدي”- أم البواقي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق