page contents
أقلام الوطن

لماذا توقفت الجزائر.. ونهضت ماليزيا؟

بقلم الدكتور عزّ الدين معزة

إذا قارنا التنمية البشرية والاقتصادية الجزائرية ببعض الدول الغربية التي لا تساوي مساحتها الجغرافية سوى ثمن مساحة الجزائر مثل ألمانيا أو اليابان كذلك، وثرواتهما الطبيعية التي هي أقل بكثير من ثروات الجزائر، أكيد أن الكثير سيعتبر تلك المقارنة في غير محلها، فالفرق بيننا وبين تلك الدول يقدر بقرون، ولكن إذا قارنا التنمية الاقتصادية الجزائرية ببعض الدول التي كانت الجزائر أحسن منها بكثير في سبعينيات القرن الماضي فإننا نجد النمور الآسيوية قد انطلقت من دول زراعية فقيرة تعاني التخلف والاستبداد والجهل والمرض إلى دول رائدة في التنمية البشرية والاقتصادية.

مقالي لهذا اليوم سيكون عن المقارنة بين الجزائر والتجربة الماليزية؛ من الثابت أن السبب الرئيس لفشل التجارب التنموية في الجزائر وعدم استدامتها ليس هو نقص الموارد البشرية والمادية، وإنما هو سوء استخدام تلك الثروات بسبب سوء التسيير واستفحال ظاهرة الفساد في كل مفاصل الدولة الجزائرية على نطاق واحد فهو العائق رقم واحد المعطل للتنمية البشرية والاقتصادية، وتُعرف منظمة الشفافية الدولية الفساد بأنه سوء استغلال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص بشكل مباشر أو غير مباشر لتحقيق أغراض شخصية مستندة إلى المحسوبية، ويؤدي الفساد إلى عدم ثقة الشعب بنظامه وتعطيل جهود الإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، ويقلل كذلك من إقبال المواطنين على المشاركة السياسية في الانتخابات، مما يفتح الأبواب للانتهازيين والفاشلين لتولي الشأن العام، فحجم الأموال التي نهبت في عهد الرئيس المخلوع “عبد العزيز بوتفليقة” تكفي لنقل الجزائر إلى مصاف الدول المتقدمة لو استغلت تلك الأموال المنهوبة بشكل عقلاني.

استطاع رئيس وزراء ماليزيا “مهاتير محمد” استعادة مليارات الدولارات لخزينة الدولة من المسؤولين الفاسدين بعد أيام من استلامه السلطة وكان دائما يوجه خطابه لشعبه قائلا: “علموا أطفالكم أن السرقة كالقتل، وعندما يُشترى أعضاء البرلمان فإن الحكومة بالكامل يمكن شراؤها”، تمكن “مهاتير محمد” من تحويل ماليزيا من بلد زراعي فقير متدني الدخل إلى بلد ذي اقتصاد صناعي متنوع يقوم جزء أساسي منه على تصدير المنتجات الصناعية العالية التقنية، وتصنف ماليزيا بين البلدان العشرين الأكثر تصديرا في العالم، ويعود ذلك إلى أن ماليزيا جعلت الإنسان فيها ركيزة أساسية لكل تغيير والذي تجسد في الطفرة الاقتصادية والاجتماعية، فالتعليم فيها يحتل المرتبة 11 عالميا من حيث الجودة، بينما التعليم في الجزائر يحتل المرتبة 119 عالميا من حيث الجودة، وتحتل الجزائر المرتبة 18 عالميا في إنتاج النفط بينما ماليزيا تحتل المرتبة 26 في إنتاجه، وتحتل الجزائر المرتبة 7 عالميا في إنتاج الغاز الطبيعي في المقابل ماليزيا تحتل المرتبة 14 عالميا.

وتحتل الجزائر المرتبة 10 عالميا من حيث المساحة أما ماليزيا فتحتل المرتبة 66 عالميا، وتحتل الجزائر المرتبة 50 عالميا من حيث الصادرات بـ 62 مليار دولار سنويا بينما تحتل ماليزيا المرتبة 23 عالميا من حيث الصادرات التي تبلغ قيمتها 231 مليار دولار سنويا.

ماليزيا ليست لها الموارد الطبيعية التي تزخر بها الجزائر، ومع ذلك ترتب الجزائر في المراتب الأخيرة تقريبا في جميع المجالات حسب تصنيف المنظمات الدولية وغير الحكومية بينما ماليزيا لا تملك حتى 1/20 مما تمتلكه الجزائر من ثروات طبيعية لكنها استطاعت أن تنتقل من دولة زراعية فقيرة متخلفة كانت صادراتها في سبعينات القرن الماضي متواضعة جدا إلى ما هي عليه الآن، الفرق بين الجزائر وماليزيا لا يكمن في الموارد البشرية والطبيعية ولكنه يكمن بالدرجة الأولى في تربية الإنسان وإعداده ليتحمل مسؤولية التنمية الوطنية وتحقيق رخاء الأسرة والمجتمع والوطن ككل، فقد أدرك ساسة ماليزيا أن العناية بالتعليم وبالمناهج التعليمية المتطورة وإعداد المعلمين والأساتذة الجيدين وتقديم حوافز وجوائز لهم وتهيئة مدارس خاصة للطلبة المتفوقين، وتطوير المؤسسات التعليمية كمًا وكيفًا واستحداث مشروع المدرسة الذكية وتوجيه التعليم حسب متطلبات السوق فيها هو البداية لكل تقدم.

الفساد السياسي والإداري والاقتصادي والتربوي في الجزائر ليس وليد الصدفة بل هو نتاج للتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها الجزائر والتي ساهمت في إيجاد وتهيئة مناخ خصب لنمو واستفحال ظاهرة الفساد بشتى أشكاله في جميع المجالات خاصة في مرحلة الرئيس المخلوع “عبد العزيز بوتفليقة”، حيث تجلى الفساد في تورط مسؤولين كبار في الدولة في فضائح اختلاس مليارات الدولارات وأصبحت بذلك الجزائر مملكة الفساد بمختلف أشكاله من رشوة ونهب للمال العام وإبرام العديد من الصفقات المشبوهة وشراء المناصب النيابية من رئيس البلدية إلى أعضاء البرلمان.

ومنذ سنة 2003،  انفجرت العديد من قضايا الفساد الخطيرة في البنوك وقطاع الأشغال العمومية وبالأخص فضيحة الطريق السيار “شرق-غرب” وفضيحة سونطراك وتحويلات بنكية بالعملة الصعبة إلى البنوك الأوروبية تورط فيها إطارات سامية في الدولة، الأسباب الرئيسة في نظري لانتشار ظاهرة الفساد الذي عم كل قطاعات الدولة الجزائرية تعود إلى الفساد السياسي بالدرجة الأولى حيث تؤكد العديد من التجارب والدراسات أن فساد القمة سرعان ما ينتقل للمستويات الدنيا التي تحتمي وتتستر بقياداتها المتواطئة معها ولتحديد أهمية العامل السياسي في تنامي ظاهرة الفساد في الجزائر يجب الإشارة إلى جملة من العناصر المتداخلة والمعقدة التي ساعدت على انتشار رقعة الفساد في الدولة منها غياب حكم راشد حقيقي في الجزائر رغم أن السلطة تدعي تبنيها الديمقراطية والحكم الراشد ودولة القانون الحق واستقلالية القضاء، إلا أن ذلك مجرد مداد على ورق، لا أثر له على أرض الواقع وكذلك تغوّل وهيمنة السلطة التنفيذية على كل من السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة الرابعة، ففي الجزائر الحكومة هي الكل في الكل، هي من توجه البرلمان والجهاز القضائي ووسائل الإعلام وحتى الأحزاب والمجتمع المدني، حيث تسيرهم كقطيع في زريبتها، فبدلا من أن تكون هذه الأجهزة العين التي تراقب السلطة التنفيذية وتحاسبها يحدث العكس عندنا؛ فالنظام هو الذي يتحكم فيهم ويوجههم ويحاسبهم ويهدد من يعترضه بالطرد من الوظيفة وحتى الاعتقال والمحاكمة وتلفيق تهم لأي معارض حقيقي للنظام الجزائري وبالتالي أصبح الشعب في أغلبيته لا يثق لا في البرلمان ولا في القضاء ولا في وسائل الإعلام لأن دورهم شكلي في ظل غياب آليات الحكم الراشد الحقيقية من رقابة ومساءلة واضحة وشفافة، فالسلطة السياسية في الجزائر تتميز بالسيطرة الكاملة في مجال اتخاذ القرارات دون إشراك الفاعلين من أحزاب وجمعيات ونقابات، فالسلطة في الجزائر تتميز بكونها أكثر الأنظمة عالميا في اتخاذ القرارات والتكتم والسرية إذ يظل هامش الانفتاح على المواطنين ضئيلا جدا، فبالرغم من تعهد السلطات بمتابعة المتورطين في قضايا الرشوة والفساد إلا أن ذلك لا وجود له على أرض الواقع باستثناء سجن بعض الوزراء وكبار المسؤولين المتورطين في الفساد بينما أكثر الفاسدين يبقى خارج المحاسبة والمحاكمة، فالفساد لا يستطيع أن يقوم به وزير أو والي وحده دون وجود أطراف عديدة مشاركة له في الفساد، فمنظمة الشفافية الدولية اعتبرت الجزائر من أكثر الدول التي تعرف انتشارا واسعا لمختلف أشكال الفساد، ومن ضمن مجموعة البلدان المتأخرة في مجال ضمان الشفافية والحد من الفساد حيث أصبح العالم اليوم لا يعرفنا إلا من خلال البترول والغاز وسوء التسيير والفساد.

فظاهرة الفساد في الجزائر تعتبر أكبر مشكل يواجه التنمية المستدامة فيها بينما إذا عدنا إلى ماليزيا فإن منظمة الشفافية الدولية صنفت ماليزيا من الدول القليلة التي استطاعت أن تحقق نتائج مقبولة في مكافحة الفساد بمختلف أشكاله مع قدرتها على الشفافية وتشجيع التنمية الاقتصادية وتحقيق الاستقرار الداخلي وجلب الاستثمارات الأجنبية، ويرجع ذلك إلى توفر الرغبة لدى نظامها السياسي، بالإضافة إلى المشاركة الفعالة للمجتمع المدني ووسائل الإعلام التي لها الحرية عكس ما هو موجود في الجزائر إلى جانب الدور الفعال الذي تبذله المؤسسات الخاصة بمكافحة الفساد، وعلى رأسها الهيئة الماليزية للنزاهة ومكافحة الفساد.

وضعت ماليزيا قانون هيئة مكافحة الفساد وقانون مكافحة غسيل الأموال إطارا قانونيا لحماية المخبرين كما أصدرت قانونا جديدا لحماية المبلغين عن حالات الفساد وحماية أفراد أسرهم، وتقدم هيئة مكافحة الفساد الماليزية آلية للمبلغين على الإنترنت ووفرت الاستقلال التام للسلطة القضائية والتشريعية مع حماية القضاة من كل أشكال الفساد والرشوة وإتباع إجراءات نزيهة وشفافة في تعيين وترقية القضاة على أساس الجدارة والنزاهة والكفاءة وليس الولاء والمحاباة والمحسوبية كما هو عندنا. كما تم الإعلان عن إنشاء أكاديمية ماليزية لمكافحة الفساد، وتعتبر الأولى من نوعها في منطقة آسيا مع تشجيع المجتمع المدني على المشاركة في مكافحة الفساد، ويعتبر المجتمع الماليزي مجتمعا واعيا ونشطا في مجال مكافحة الفساد مع إعطاء الضمانات الكاملة لوسائل الإعلام ورفع القيود عن حرية تداول المعلومات وتشجيع الصحافة على كشف مختلف أشكال الفساد والممارسات غير الأخلاقية وإرساء مبادئ الشفافية والمساءلة.

فهل بإمكان الجزائر الاستفادة من التجربة الماليزية؟!

اظهر المزيد

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى