page contents
أقلام الوطن

لماذا توقفت الجزائر ونهضت ماليزيا

الجزء الثالث

إن الارتفاع السريع للتنمية الاقتصادية في الدول التي تعرضت للاستعمار وكانت أكثر تخلفا وفقرا من الجزائر في سبعينيات القرن الماضي يعود في الأساس إلى الإصلاح السياسي فيها بالدرجة الأولى، ويرى “الكواكبي” أن الاستبداد السياسي هو أصل كل فساد. ويضيف: “للاستبداد السياسي أثر سيئ في كل وادٍ، يضغط على العقل فيفسده، ويلعب بالدين فيفسده، ويحارب العلم فيفسده”.

الاستبداد السياسي في الجزائر وفي الوطن العربي كله له تراكمات تاريخية ويعود إلى قرون عديدة، رغم محاولات الإصلاح التي قامت بها الجزائر منذ أحداث 05 أكتوبر 1988، إلا أنها لم تأت بالنتائج المرجوة، بل زادت الأمور تعقيدا وسوءا، فالسيطرة على الحكم في الجزائر وتوظيفه لمصالح فئة فردية عائلية مازال جاثما على صدورنا وظاهرا للعيان لا يخطئه أي إنسان عاقل، فهو كريم على اللصوص والفاسدين وبخيل على أبنائه المخلصين الصادقين، ويقال إن أكبر استثمار مربح في الجزائر أن تصبح فيها مسؤولا ساميا وسياسيا فاشلا.

  • هل يمكن تحقيق تنمية حقيقية دون إرجاع السلطة إلى صاحبها الشرعي، والذي هو “الشعب”؟
  • وهل يمكن القول إن الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة شرط أساسي لتحقيق التنمية الشاملة؟
  • أيهما أولى؛ الإصلاح السياسي أم الإصلاح الاقتصادي؟

لقد أكد “أمارتيا سن” الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1998، في كتابه الهام “التنمية حرية” على ضرورة تبني الإصلاح السياسي أولا باعتباره مدخلا لتحقيق الإصلاح الاقتصادي، وهذا هو سبب نجاح النمور الآسيوية والهند في العقود الأخيرة، حيث استطاعت هذه الدول أن تحقق التنمية الشاملة، وذلك خلافا للصين التي ترى أن الإصلاح الاقتصادي سابق للإصلاح السياسي، مع العلم أن الصين تجمع بين النظامين الاشتراكي والليبرالي.

في واقع الأمر، لا يمكن الحديث عن تنمية مجتمعية بمعزل عن حرية المشاركة السياسية، فقد استطاعت الجزائر في العقدين الأخيرين أن تحقق معدلات نمو اقتصادي بفضل مداخيل البترول، حيث تراوحت ما بين %3 و5% ، في حين ظلت التنمية البشرية متدنية للغاية، كما ظلت المشاركة السياسية لأفراد المجتمع في أدنى مستوياتها وبالتالي لم تستطع مداخيل البترول نقل المجتمع نحو تحقيق التنمية الشاملة، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي والاجتماعي، بل تفشت ظاهرة الفساد والنهب وسوء التسيير وأكبر نصيب من الأموال المنهوبة دخلت جيوب المسؤولين الكبار وعائلاتهم، فالوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الجزائر يعاني – الآن – الترهل والفشل في إدارة البلاد، سواء قبل جائحة كورونا أو قبل تراجع أسعار البترول، فما تمر به الجزائر حاليا ما هو إلا نتيجة سيطرة مجموعة من الأفراد بالقرار، بدلا من المؤسسات الشرعية، فهناك فساد قائم في كل مفاصل الدولة وانسداد في الأفق ، بطالة مرعبة ، فقر، بؤس ،قلق اجتماعي، عملة وطنية في الحضيض، أجر أدنى مضمون يجعل العائلة الجزائرية تعيش بأقل من 3,5 يورو يوميا ، فواتير مرتفعة لا تقوى عليها الأجرة الشهرية حتى لمتوسطي الدخل.

إنه لمِن البهتان الحديث عن تنمية اقتصادية في الوقت الراهن في ظل غياب الحكم الراشد والمواطنة واستقلالية القضاء وحرية التعبير، فالجزائر كلها تعاني من أمراض خطيرة في جميع المجالات، ومن الغباء جدا الاستهانة بالوضع الحالي، ويجب على النظام الجزائري أن يكف عن الدعوى بأن الدستور والانتخابات التشريعية القادمة والتعديل الوزاري المنتظر سيحل مشاكل الجزائر إذا لم يتم إبعاد جمهورية العائلات المسيطرة على دواليب السياسة والمال والاقتصاد، وهي التي تقف وراء الخراب والفساد الماثل أمامنا، الجزائر بحاجة إلى تغيير حقيقي وليس إلى ذلك التغيير الذي يقوم على الأوهام وشراء الذمم ومحاولة الاحتيال على الواقع وتجاوزه واستغباء الشعب، فبعض المصطلحات العربية أصبحت عاجزة على التعبير بدقة عن ظاهرة الفساد وواقعنا البائس المقلق وحجم الغضب الكامن في نفسية الفرد الجزائري المغبون.

ولنعد إلى ماليزيا، تلك الدولة الفقيرة المتخلفة التي كان معظم سكانها يعيشون في بيوت من الطين بلا كهرباء ولا طرق مواصلات ولا أبسط ضروريات الحياة العصرية، أصبحت الآن خلال أقل من ثلاثة عقود فقط تنافس الدول الكبرى في الصناعة والعمران وناطحات السحاب، مع تحسين المعيشة اليومية لمواطنيها في كل الجوانب.

الحالة الماليزية هي إحدى الحالات التي بني فيها نموذج النجاح في كافة المجالات بلا استثناء وذلك على رؤية متكاملة وواضحة، حيث استطاع النظام السياسي حشد المجتمع بأكمله لتحقيق التنمية الشاملة فتحقق ما تحقق من معجزة سياسية وصناعية وتعليمية واجتماعية ، فالإصلاح السياسي فيها وفي بقية النمور الآسيوية هو القاطرة التي حركت الجامد وحاربت الفساد والمفسدين واهتمت بالإصلاح الحقيقي لصالح الوطن كله وليس لصالح فئة من المسؤولين الفاسدين الذين اعتقلتهم وأممت أموالهم وأدخلتهم السجون، فالإصلاح السياسي في ماليزيا شغل الكثير من الباحثين الأكاديميين باعتباره أداة علمية موضوعية يهدف إلى فهم وتقييم التجربة الماليزية ونجاحها في خدمة المجتمع ورعاية مصالحه من ناحية، ومن ناحية أخرى المساهمة في تحسين كفاءة الأداء الحكومي سواء في صنع أو تقييم تلك السياسات، والواضح أن السياسة العامة التي تقررها الحكومة الماليزية تتميز بالتنوع والشمول والتغلغل الذي يمس كافة جوانب الحياة في المجتمع، فالإصلاح السياسي فيها نموذج اكتسب تميزه أهمية كبرى على المستويين الإقليمي والعالمي، فنظامها السياسي كان وما يزال له دور محوري فعال في قيادة قاطرة الإصلاح الشامل.

عندما تولى “مهاتير محمد” رئاسة الوزراء سنة 1981، لم تكن ماليزيا في تلك الفترة سوى دولة فقيرة ومتخلفة والفساد مستشري في كل مفاصلها مع عجز كبير في ميزانية الدولة وصل إلى 10,4 مليار دولار عام 1982، وارتفاع حاد في الدين الخارجي بلغ 24 مليار دولار.

استطاع “محمد مهاتير” في تسعينيات القرن الماضي إخراج ماليزيا من الفقر والفساد وإدخالها مرحلة الرخاء والتصنيع والقدرة على المنافسة، واستقطاب الاستثمارات ورفع احتياطي بلده النقدي من 3 ملايير دولار إلى 140 مليار دولار، ورفع حجم صادراتها المتنوعة إلى أكثر من 250 مليار دولار. وفي 31 أكتوبر 2003، تخلى طواعية عن السلطة واعتزل السياسة قائلا: “لقد بلغت من العمر 76 سنة، انتهى وقتي، لن أتولى أية مسؤوليات رسمية ومن المهم أن يتولى قيادة ماليزيا جيل جديد بفكر جديد”.

لكنه، عاد إلى الحكم سنة 2018 (عن طريق صناديق الاقتراع)، لتخليص ماليزيا من مستويات فساد غير مسبوقة وفي رأيه إذا صَلُحَ الحاكم صلح الشعب، وإذا فسد الحاكم فسد الشعب وضاعت الحقوق. فتح أكثر الملفات فسادا؛ فقد وجد الأموال المنهوبة تقدر بــــ 4,5 مليار دولار، نُهِبَتْ من الصندوق السيادي الماليزي، بدأ التحقيق مباشرة مع “نجيب عبد الرزاق” رئيس الوزراء السابق وزوجته وبعض أقاربه، بتهم الفساد والتربح وتلقي رشاوى خارجية، ففي خلال مدة لا تتجاوز عشرة أيام فقط تمكن من استرداد الأموال المسروقة، وصرح قائلا: “سنسعى إلى استرداد تلك المبالغ المنهوبة لسداد ديون الحكومة التي تراكمت على مدى سنوات، التركيز على محاربة الفساد مهم جدا، لأننا بحاجة لاسترداد الأموال التي هُرِّبت إلى البنوك السويسرية والأمريكية وغيرها، سنتواصل مع حكومات تلك الدول لاستعادة أموالنا “.

سأل أحد الصحفيين الليبيين “القذافي” خلال العشرية السوداء التي مرت بها الجزائر بقوله: “متى ستصبح الجزائر بخير؟” رد عليه “القذافي” قائلا: “الجزائر بخير، منذ 1962 وهم يهربون الأموال بأكياس إلى الخارج ومع ذلك بقيت الجزائر بخير”.

يقول “محمد مهاتير” إنه استمد تجربته من الدول التي يقل فيها الفساد كثيرا مثل اليابان بالدرجة الأولى وكوريا الجنوبية وتايوان والصين وسنغافورة، ويقول بأنه درس تجاربهم جيدا في كل المجالات وعمل على محاكاتهم وتبني تجاربهم وإسقاطها على بيئة الأعمال والصناعات في ماليزيا التي أتت أُكُلها.

أما في الجزائر، فإن النظام فيها استمد تجربته من الكولون (المستوطنون) وطبقها على الشعب الجزائري كما هي، مما ولَّد استمرارية التخلف والفساد وكراهية الشعب لنظامه التي تزداد يوميا.

بدأت الجزائر المستقلة بوضع العربة أمام الحصان، ومنذ 60 سنة والعربة واقفة أمام حصان هزيل لا مات ولا تحرك، بينما ماليزيا بدأت أولا بالاهتمام بالحصان (الإنسان) أصلحت التعليم وعممته على كل ترابها وذلك بالاهتمام بالهياكل وبالمعلمين والأساتذة وتحسين مستواهم العلمي ورفع أجورهم، لتتماشى مع متطلبات الحياة العصرية وضرورياتها، وأرسلت البعثات الطلابية إلى البلاد المتحدثة باللغة الإنجليزية أو التي تعتمد الإنجليزية في التدريس الجامعي، فذهبوا إلى بريطانيا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا ونيوزيلندا والهند وبعض الدول الأخرى، وذلك بهدف الحصول على المعرفة والتكنولوجيا التي هي مفتاح كل تقدم وتغيير.

وعندما أصبح الناس متعلمين في ماليزيا تمكنوا من تولي الوظائف، وأصبحت للموظفين والعمال نظرة إيجابية بأنهم يمتلكون المهارة والمعرفة مع منحهم حقوقهم كاملة، لذلك اسهموا في بناء الثروة الوطنية وزيادة الدخل الوطني، وبذلك استطاعت ماليزيا أن تحقق قفزة نوعية بوضعها العربة وراء الحصان عكس ما فعلت الجزائر ومازالت مصرة على مواصلة وضع العربة أمام الحصان، لكن هذا الوضع أصبح لا يطاق والحصان لم يعد يتحمل الوقوف في مكان واحد!

بقلم الدّكتور عز الدّين معزة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى