page contents
نقاشات الدستور

لِكَي يُؤتيَ مَشروعُ الدّستورِ الجَديدِ ثمارَهُ

إنّ البداية الصادقة للاستجابة لمطالب الشعب بعد حراكهم المبارك هي النجاح في وضع دستور للبلاد ينتصر لمبادئ الحق والعدل والحرية، فيعلي من قدر مقومات شخصية الأمة، وبخاصة دينها ولغتها ووحدتها، ويحترم موروثها التاريخي والثقافي، ويقيم دولة جزائرية وفية لحلم الشهداء في بيان أول نوفمبر، جامعة لعوامل النهوض الحضاري، ومتوفرة على نظام حكم ديمقراطي رشيد، ويتمتع بتوازن حقيقي في الصلاحيات بين السلطات، ويحمي الحقوق والحريات، ويعمّق ويدعم التعددية السياسية، ويضمن نزاهة وحرية الانتخابات، ويؤكد على تداول الأحزاب على السلطة ويشجعها على تأطير الشّعب وعدم وضع العوائق في وجهها، ويشجع مشاركة الشّعب في جميع القرارات الوطنية، ويعلي من دور مؤسسات الرقابة على أعمال السلطة، ويقوم سلوك المواطنين.

دستور تُحترم فيه مبادئ سيادة القانون وحياد الإدارة، وتُرفع فيه صور الظلم المختلفة عن مؤسسات الدولة وسياساتها، دستور يجد فيه كل جزائري وبخاصة الفئات العاجزة والمحرومة والمستضعفة مواطنتها وكرامتها الإنسانية – مواطنة تحترم الدّين، والهويّة والتنوّع الثقافي، ومن لا يفتخر بتراث أجداده ويفي بأمانة شهدائه فلا مكانة له في جزائرنا الحبيبة.

إنّ البداية الصادقة للاستجابة لمطالب الشّعب بعد حراكهم المبارك هي النجاح في وضع دستور للبلاد ينتصر لمبادئ الحق والعدل والحرية، فيعلي من قدر مقومات شخصية الأمة، ويقيم دولة جزائرية وفيّة لحلم الشهداء، ومتوفرة على نظام حكم ديمقراطي

ولكي يكون مهندسو الدستور الجديد في مستوى الوفاء لتطلعات الشّعب، وفي خدمة الوطن بمختلف مؤسساته، وجَديرين بتحمل أمانة الشهداء الملقاة على عاتقهم، أريد أن أبسُطَ بين أيديهم هذه الملاحظات والنصائح التي أراها تخدم البلاد والعباد وتجعل دستورنا يؤتي ثماره يانعة طيبة.

1- حُرمَة الدِّين والمُقدّساتِ

الإسلام دين الدولة، وشريعته مصدرها الأعلى في التشريع. وعلى الدولة أن تضمن حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية على النحو الذي ينظمه القانون، كما تمنع ترويج أي مادة تخالف مبادئ الإسلام وأحكامه القطعية، أو تُهين المقدسات، أو تقوِّض النظام الدّستوري.

ثم إن تكريس هذا البند هو استجابة صادقة لبيان أول نوفمبر 1954، لتحقيق حلم الشهداء والأجيال من بعدهم في إقامة دولة جزائرية ديمقراطية واجتماعية ذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية.

2- طَبيعةُ نظامِ الحُكم:

ضرورة النص صراحة على طبيعة النظام الذي تنتهجه الدولة، حيث جاء في مقدمة مشروع الدستور (ص 6):”وقد اتفق الأعضاء على ضرورة اعتماد نظام شبه رئاسي”، لكن اللجنة أهملت الإشارة إلى ذلك في صلب الدستور، ومن الضروري النص على ذلك صراحة نظرا إلى نجاعة النظام شبه الرئاسي خاصة للأنظمة حديثة الديمقراطية، أي التي تعيش انتقالا ديمقراطيا كحال الجزائر، وذلك للأسباب التالية:

الإسلام دين الدولة، وشريعته مصدرها الأعلى في التشريع. وعلى الدولة أن تضمن حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية على النحو الذي ينظمه القانون، كما تمنع ترويج أي مادة تخالف مبادئ الإسلام

أولها: أن الشعب ملّ من النظام الرئاسي الذي يسيطر فيه رئيس الجمهورية على الصلاحيات التنفيذية والتشريعية والقضائية، لقد حُكمت الجزائر بهذا النمط من أنظمة الحكم منذ الاستقلال. وقد ازداد النظام إيغالا في تهميش السلطتين التشريعية والقضائية في العقدين السابقين، مما تسبب في أوضاع بالغة السوء في ميدان الحقوق والحريات، وفي التداول على السلطة ومراقبة أعمالها، وفي ميادين التنمية المختلفة، وفي المحافظة على أموال الأمة، وكذلك الحال في ميدان القيم الأخلاقية وكذا إرادة تمييع الحياة السياسية وإفسادها، ولذلك لا مفر من تغيير نمط نظام الحكم.

وثانيها: أن الجزائر تفتقر إلى نخبة صادقة الولاء للدين والأمة، متشبعة بثقافة قيم العدل والمساواة والحرية، وقواعد ديمقراطية المشاركة، ولذلك فهي أكثر جنوحا إلى الأنانية وحب الذات وتقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، ومثل هذه النخب لا يستقيم معها النظام الرئاسي؛ لأنه يساعدها على التطرف في الاستبداد والفساد والاستغلال.

ثالثها: إن ضعف وعي الشّعب بما له من حقوق وما عليه من واجبات، وبالطريق التي يسلكها لتحصيل ما له وأداء ما عليه، والتجاذبات الجهوية والعروشية، كل ذلك يشكل ظاهرة مناسبة لانتشار الاستبداد والفساد بأنواعه المختلفة.

رابعها: النظام البرلماني – عموما – لا يناسب الديمقراطيات حديثة النشأة، وقد تكون الحكومة فيه غير مستقرة إذا كان التمثيل فيه ضعيفا،  كأن تكون الأحزاب دون المستوى، أو منقسمة عرقيا وأيديولوجيا. ولعل من أهم العيوب هو غياب الفصل بين السلطات الثلاثة في هذا النظام، فالانصهار بين السلطات الثلاث، قد يقود إلى استغلال السلطة والاستبداد بها خصوصا في الدول النامية والتي تفتقد لمؤسسات قوية.

اللجنة أهملت الإشارة إلى النظام شبه الرئاسي في صلب الدستور، ومن الضروري النص على ذلك صراحة نظرا إلى نجاعة هذا النظام، خاصة بالنسبة إلى الأنظمة حديثة الديمقراطية

3- ضَماناتُ حمايةِ الحُقوقِ والحُريّاتِ

الضمانات التي تحمي الحقوق والحريات من تعسف السلطة وتجاوزات الأحزاب، وهو الخلل الذي ظل ملازما للدساتير الجزائرية، وهو ما انجرت عنه تجاوزات كبيرة ولابد من تدارك ذلك، وقد جاء التدارك في هذا المشروع الذي بين أيدينا لكن نريد ضمانات أكثر تكون عملية لحمايته، لما للحقوق والحريات من مكانة خاصة في ديننا تجعل ثبوتها واحترامها وممارستها وحمايتها واجبات شرعية مقدسة،  يؤجر عليها محترمها وحاميها وممارسها، كما يعاقب لمعتدي عليها والمقصر في حقها.

4- تَعزيزُ استقلاليةِ السُّلطةِ التَشريعيّةِ والقَضائيّةِ

إن من أهم ما يجب أن يشتمل عليه المشروع الجديد لتعديل الدستور: تعزيزه دورَ السلطة التشريعية والقضائية، فيجب إزالة كل ما كان في الدّساتير القديمة من مواد قزّمت دورهما، وجعلت منها مجرد وظائف مساعدة لسلطة رئيس الجمهورية، حيث ينبغي أن يكون التشريع من مهام السلطة التشريعية فقط، والقضاء من مهام السلطة القضائية وحدها، ولا يوجد أي معرقل لأي منهما.

بل لا ينبغي للسلطة التنفيذية أن تكون لها أي وصاية أو تدخل فيهما ولذلك رأينا ما يلي:

  • عدم إعطاء رئيس الدولة سلطات الفصل والعزل من المناصب في الدولة، خاصة منصب رئيس الوزراء، ورئيس المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء، وجعل هذه المؤسسات مستقلة، وهو ما يجسد حقيقة الديمقراطية ومبدأ الفصل بين السلطات، فإن الرئيس الذي يتمتع بسلطة الطرد هو أقل احتمالاً أو ميلاً للتعاون مع أي مجلس للوزراء أو مع المجلس التشريعي، ولا تعمل صلاحية الرئيس في إقالة الحكومة على تثبيط تقاسم السلطة فحسب، بل إنها أيضا قد تعيق وتمنع من تشكيل حكومات مستقرة.

ينبغي أن يكون التشريع من مهام السلطة التشريعية فقط، والقضاء من مهام السلطة القضائية وحدها، وعدم إعطاء رئيس الدولة سلطات الفصل والعزل من المناصب في الدولة

  • بالنسبة إلى دعم استقلالية السلطة التشريعية، فإنه يجب تقوية المجالس التشريعية أو البرلمان، فهي الخطوة الأساسية والمهمة في المرحلة الحالية، لضمان سَلاسة الانتقال الديمقراطي الذي ينشده الشعب، ففي الأنظمة الاستبدادية التي تهيمن عليها الأجهزة التنفيذية، تصبح الانتخابات البرلمانية آلة لتهدئة قوى المعارضة من خلال إعطائهم فرصة للمشاركة في المجلس التشريعي لكن مع ضمان أن الهيئة التشريعية لن يكون لها سوى سلطة ضعيفة، أي أن صوت المعارضة يكون ضئيلا بدون أثر أو معنى في وجه حزب مهيمن، وفي الجزائر نرى بوضوح مدى تشتت المعارضة وضعف الأحزاب الفاعلة أمام حزبي النظام الأفلان والأرندي، خاصة في ظل نظام يحرص على تشويه العمليات الانتخابية بسرطان التزوير والتحريف.
  • تَفعيلُ مؤسّساتِ الرّقابةِ:

إن تفعيل مؤسسات الرقابة على أعمال السلطات له دور كبير في محاربة الفساد المالي والإداري، فمن الضروري توفر مؤسسات دستورية ذات سلطات واسعة وجوهرية في الرقابة على أعمال السلطات المختلفة، وإيقاع الجزاء عليها في حالة مخالفتها للشرع والقانون، أو تعسفها في ممارسة صلاحياتها، أو تفريطها في المال العام، أو جنوحها لأي شكل من أشكال العدوان على المال العام أو على حقوق المواطنين وحرياتهم وممتلكاتهم. مع ضمان الاستقلالية التامة عن سلطة الرئاسة، وفي هذا الصدد، فإنه يجب ما يلي:

–   وضع إجراءات لمساءلة أعضاء الحكومة وإقالة الحكومة إذا فقدت ثقة المجلس التشريعي.

–   تفويض المجلس التشريعي للعمل ضدّ مسؤول سامٍ (رئيسا أو وزيرا أو دون ذلك) يتجاوز صلاحياته، إما بإقالته من منصبه، أو بمحاكمته ومعاقبته والشروع بإجراءات العزل التي يحددها القانون.

لعل ما ذكرته هو بعض ما ينبغي أن يشمله دستورنا الجديد لكي يؤتي ثماره، وهي مسائل حيوية ومهمة، وغيري قد ذكر ما هو مهم أيضا! ولكن تبقى الغاية التي يصبوا إليها المواطن بعد حراكه المجيد أن يجد مشروع دستورنا الجديد يستجيب لتطلعاته،  ويحقق حلمه في“دولة مدنية ديمقراطية في إطار مبادئ ثورتنا المجيدة مبادئ الفاتح من نوفمبر 1954″.

د. زوبير بوزرزور

دكتور في جامعة العلوم ماليزيا تخصّص قانون عام

عضو مجلس الشورى الوطني لجبهة العدالة والتنمية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق