page contents
أقلام الوطن

ما بعد التطبيع الشامل.. هيمنة “الكيان الصهيوني” على خطوط إمدادات الطاقة (الجزء الثاني)

بقلم مهماه بوزيان - باحث وخبير مستشار في الشؤون الطاقوية والاقتصادية

الكثير من الأدبيات التي تُنشر اليوم تَتَهَادَى نَشْوَانَةً مبشرة بنهاية عهد النفط، والكيان الصهيوني في المقابل ينجز الكثير من التوغل الجيوسياسي لإحكام سيطرته على إمدادات النفط والغاز في جهة المشرق .. فمن نُصدِّق الأدبيات أم المنجزات؟!

1.      هجمات أرامكو .. المُسرِّع لرغبة التوجه بالنفط غربا

وقعت فجر يوم السبت 14 سبتمبر 2019 (عند الساعة الرابعة صباحًا بتوقيت مكة المكرمة) هجمات نُفِّذت بواسطة عشر طائرات مُسيّرة عن بعد، استهدفت منشأتين تابعتين لشركة أرامكو في منطقتي بقيق وخريص في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية، إحداهما تُعدُّ أكبر منشأة لتكرير النفط في العالم، بما أدّى إلى نشوب عدد من الحرائق التي تمت السيطرة عليها لاحقًا. هذه الهجمات التي تسببت في وقف فوري لإنتاج النفط قدره (5,7) مليون برميل يوميا، بما أفقد الأسواق ما يقرب الـ (6%) من الإمدادات العالمية للنفط، فقفزت الأسعار إلى مستوى 71 دولارا للبرميل، فيما يشبه لعبة القفز العالي، مباشرة بعد الهجمات، وفي الثواني التي أعقبت الافتتاح، ارتفعت أسعار خام برنت القياسي العالمي بنحو 12 دولارا للعقود الآجلة في بورصة لندن، بما يمثل صعودا سعريا بـ (20%) خلال جلسة واحدة، وهي أعلى نسبة صعود لأسعار النفط منذ عام 1988. وقد تجاوز حجم هذا الانقطاع اللحظي غير المنتظر مستوى خسارة إنتاج النفط الإيراني في عام 1979 أثناء الثورة على نظام الشاه، وكذلك حجم فقدان إنتاج النفط إبان حرب الخليج الأولى في أوت 1990، عندما أقدم الرئيس الراحل صدام حسين على غزو الجارة الكويت. وبذلك أعتبر هذا الإنقطاع في الإمدادات النفطية حدثا غير عادي، وغير مشهود منذ عقود، فلم يحدث أي انقطاع في إمدادات النفط بهذا الحجم وعلى هذا النطاق الكبير.

هذه الهجمات شكلت مسرِّعاً قويا لإنزياح خطوط إمدادات النفط غربا مبتعدة عن مضيق هرمز، الذي تهدد إيران بإغلاقه حال تعرض مصالحها لخطر ..

2.      الإبتعاد عن “مضيق هرمز” للدخول في “الجحر” الإسرائيلي

تسعى كلّ من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية لإيجاد منافذ بديلة لتسويق نفطها بعيدا عن مضيق هرمز، ومن بين الخيارات المطروحة لديها هو مدّ شبكة من خطوط أنابيب النفط، تتجه غربا، حتى بالنسبة لنفطها المتجه شرقا إلى شرق آسيا!! .. التوجه غربا للتمركز على سواحل البحر الأحمر.

حاليا توجد العديد من خطوط إمدادات الطاقة (العاملة والمخطط لها) والتي لا تمر عبر مضيق هرمز، ومن بينها خطوط الأنابيب، على غرار الخط السعودي “بترولاين” الممتد من شرق المملكة إلى غربها على طول 1200 كيلومتر من حقل بقيق بالمنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع الصناعي على ضفاف البحر الأحمر، وتبلغ طاقته الاستيعابية 4,8 مليون برميل يوميا، وفي عام 2018 أعلنت شركة أرامكو عن زيادة طاقة هذا الخط ليبلغ 6,5 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2023، تمّ بناء هذا الخط من أنابيب النفط الخام خلال الحرب العراقية الإيرانية، ثم جرى تحويل الخط لنقل الغاز الطبيعي، ولكن تمّ تحويله مرة أخرى لنقل النفط الخام، هو حاليا ينقل 2,1 مليون برميل يوميًا منه. كذلك نجد “خط البصرة-المعجز” لأنابيب النفط العراقية عبر السعودية، والذي يبدأ من منطقة البصرة في العراق ثم يتحول إلى محطات النفط في الساحل الشرقي للمملكة قبل أن يتجه غرباً إلى مرفأ “المعجز” على ساحل البحر الأحمر، هذا المرفأ الذي استؤنفت صادرات النفط عبره في أواخر 2018 وذلك للمرة الأولى منذ حرب الخليج الأولى، وتبلغ طاقة خط الأنابيب 1,65 مليون برميل يومياً، مع قدرات محطة المعجز النفطية لإستيعاب 3,5 مليون برميل يومياً، وهو ما يمهد لإمكانية إضافة المزيد من خطوط الأنابيب في المستقبل. دون أن ننسى خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام الممتد على طول 406 كلم، والذي ينقل النفط الإماراتي من حقل حبشان في أبوظبي إلى ميناء الفجيرة المطل على خليج عمان، متجاوزا بذلك مضيق هرمز، وبلغت تكلفة إنشاء هذا الخط الذي بدأت أعمال بنائه عام 2008 بـ 4,2 مليار دولار، وبدأ ضخ النفط عبره منذ عام 2012، ويبلغ متوسط طاقته التشغيلية القائمة حوالي 650 ألف برميل يومياً، وسيكون قادرا على تصدير 1,8 مليون برميل يوميا مستقبلا، ويُعد خط الأنابيب هذا أحد أهم الأصول الاستراتيجية لقطاع النفط ومن أهم المشاريع الحيوية في دولة الإمارات.

3.      الدول الأكثر سلطوية لديها الكثير من القواسم المشتركة مع إسرائيل

ضُربت منشآت آرامكو بطائرات “الدرون” فكان ذلك إيذاناً بنقل المعارك النفطية إلى ساحة التكنولوجيات الحديثة و علامة فارقة للتحول في مفاهيم القوة والصراع إلى الفضاء السيبراني الذي أصبح يتحكم في الفضاء الإقليمي الحقيقي. والكلّ يدرك أن إسرائيل هي المسيطر على تكنولوجيات هذا الفضاء الإلكتروني ومؤسساتها، وهي الكيان المتحكم في قطاع تكنولوجيات المعلومات والإتصالات، فهي لم تعد فقط حاضنةً لغالبية الصناعات التكنولوجية والإلكترونيات العسكرية في العالم، بل هي تؤسس لكيان يسيطر على بنوك المعلومات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط، هذه السيطرة أغرت عددا من الدول العربية للدخول سراعاً تحت جبة الحماية الإسرائيلية.

نذكر، بتاريخ 4 ديسمبر 2014 كتب “ريتشارد سيلفرشتاين” مقالة في مدونة “تيكون عولام Tikun Olam” الإسرائيلية، والتي يقع مقرها في الولايات المتحدة، وتختص بتسريب أسرار “موجّهة” عن الأمن القومي للدولة العبرية، أي موجهة عن قصد وبغرض مخطط له، بعنوان “تاجر الأمن السيبراني الإسرائيلي يورد البضائع سراً إلى الإمارات العربية المتحدة”، من اللافت للنظر، بعض ما جاء في مقالته هذه، كقوله بأن الدول الأكثر تسلطاً تمتلك الكثير من القواسم المشتركة مع إسرائيل، رغم ما يتناهى إلى أسماعنا من وصف لإسرائيل بأنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط !! .. هذه القواسم المشتركة المتحدث عنها من قبل صاحب المقالة، تتلخص في خاصية امتلاك إسرائيل لترسانة من التكنولوجيات عالية الدقة للحماية ولمنظومة من الحلول الأمنية المتطورة التي بإمكانها الحفاظ على النخبة المتسلطة في السلطة، هذه السلط السياسية الحاكمة التي تجد نفسها بحاجة ماسة إلى إحاطة نفسها بأسوار من الحماية المتقدمة بنفس درجة مستويات الفساد والقمع والاستبداد لديهم، و يقول الكاتب بأن العديد من الدول العربية قد أعجبت بالسمعة الإسرائيلية في مجال الأمن المشدد، على الرغم من العداء الرسمي القائم بين إسرائيل والدول العربية عامة، هذا ما جعل شركات مثل “Kohavi” و “AGT” موردان رئيسيان، إن لم يكونا المورد الوحيد لأبوظبي لمتطلباتها من المنتجات الأمنية، والتي تخطّت الـ “300 مليون دولار” ضمن تقديرات التجارة السنوية البينية بين أبوظبي و إسرائيل لسنة 2012 على سبيل المثال، لكن عديد التقارير تشير إلى وجود تعاون أمني وثيق بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة يتخطى هذا التاريخ، حيث أن بداية التعارف تعود إلى عقود، وكان أول ظهور علني للتعاون يعود إلى سنة 2007، عندما تحولت الإمارات إلى شركة “حلول الأمن 4D” التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، والمملوكة لإسرائيل، لتحديث دفاعاتها حول منشآت الطاقة الحيوية وإنشاء شركة “ذكية” ولنظام المراقبة للمدينة في أبوظبي، بعقد تتجاوز قيمته 6 مليارات دولار، ومشاريع هذه الشركة، كما هو معلوم، تستعين لإدارة أنشطتها داخل أبوظبي بخدمات جنرالات في الجيش والمخابرات الإسرائيلية.

4.      التوجه بإمدادات النفط غربا سيجعل إسرائيل المستفيد الأكبر

نذكر أنه بإحتساب الإحتياطيات النفطية للدولة الخليجية المهرولة للتطبيع، أو لتلك التي تتجه لتركيز صادراتها النفطية على السواحل الشرقية للبحر الأحمر، أنها ستتيح للكيان الصهيوني السيطرة والتحكم في تدفقات النفط المتأتي من حقول تمثل “30%” من الإحتياطيات العالمية لمكامن النفط الخام، خاصة بعد تحقيق دولة البحرين لإكتشافات بحرية هامة من النفط غير التقليدي.

في بداية شهر أفريل من سنة 2018، كتب “سايمون هندرسون”، وهو زميل بيكر في معهد واشنطن ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في المعهد، ومتخصص في شؤون الطاقة والدول العربية المحافظة في الخليج الفارسي، هكذا هو تعريفه وتقديم صفته في معهد واشنطن، مقالة تحت بند “تنبيه سياسي” بعنوان “البحرين تنضّم إلى دول النفط الكبرى”، في هذه المقالة اعتبر الكاتب المحلل ما أعلنت عنها المنامة، في بداية أفريل 2018، من اكتشاف لكمية كبيرة من النفط في مياهها الغربية الضحلة جنوب الطريق المؤدي إلى المملكة العربية السعودية تمّ تقديرها بـ 80 مليار برميل، هو بمثابة الإكتشاف الذي سيرفع إجمالي احتياطيات البحرين من النفط إلى مصاف دول النفط الكبرى، وبما سيجعلها تقترب مما تحوز عليه الإمارات العربية المتحدة من احتياطيات النفط الخام المقدرة بـ “105 مليار برميل” كسادس أكبر احتياطي نفطي في العالم.

وهنا ينبغي لنا التذكير أنه في بدايات سنة 2005، كشف ملك البحرين بتفاخر عن وجود اتصالات رفيعة المستوى مع وكالة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية “الموساد” تحت رئاسة “مائير داغان” آنذاك، هذا السياسي الإسرائيلي الذي وُلد في قطار بين سيبيريا وبولندا يوم 30 جانفي 1945، و كان من بين الغزاة اليهود لفلسطين في سنة 1950، وبعد انتسابه للجيش الإسرائيلي في سنّ الثامنة عشر (18) أصبح قائداً عسكريا لمنطقة جنوب لبنان في العام 1980، وبعدها التحق بجهاز الموساد.

للهرولة بقية …

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق