page contents
أقلام الوطن

ما قاله الحكيم

بقلم الدكتور السعيد بوطاجين

قبل قرابة خمسين سنة دعا الكاتب الأمريكي هنري ميللر إلى ضرورة إيجاد طريقة للعيش في شكل جماعات متآلفة لها اهتمامات متقاربة وأذواق متجاورة، وهكذا يمكن التخلص من الدول والحكومات التي فقدت مصداقيتها لأنها لم تعد تمثيلية، وصريحة مع الشعوب التي لها خياراتها وتناقضاتها وطرائقها في تعميم العمى، كما الحكومات.

قد تبدو هذه الدعوة  المثيرة مجرد خترفة، أو ضربا من الإفراط في السخرية والترف الذهني العابث، أو فكرة ماجنة من اقتراح تائه لم يجد ضالته في عالم منحط تحكمه رؤوس الأموال والجماعات الضاغطة الأكثر فسادا من الأنظمة نفسها، ومن البهاليل والمنظرين التعساء.

والواقع أن هذا السيد الذي تجوّل في العالم والتاريخ والثقافات والديانات والكتابات والآداب والفلسفة والأنثروبولوجيا أدرك بحكمته، عند مشارف الثمانين، أن السياسة لا يمكن أن تتسم بالأخلاق الفاضلة، فهي إما جحيم مكيّف أو بهتان وضلالة، كما الجماعات المتعصبة المقيدة في القوائم السوداء، بانتظار أن تحكمنا مستقبلا.

هذه السياسات والجماعات الضاغطة هي التي تخلق النعوت والقوى، تأتي بالقوانين التي على مقاسها، ثم سرعان ما تخرقها عندما لا تتماشى وطموحاتها، إما لتبقى هناك حيث هي، وإما لمزيد من الثراء والفتن المدمرة التي عادة ما تستفيد منها.

هناك حكومات تزكي نفسها ولا تحتاج إلى من يخدمها، لأنها مستقلة عن الشعوب المناوئة لها، وثمة شعوب لا تعنيها الحكومات لأنها لا تحتاج إليها لأنها لا تنفعها، بقدر ما تلحق بها أضرارا، ما يعني أن الحكومات تخدم مصالحها والشعوب تبحث عن مصالحها، وكلاهما يشكل عصابات لها ثقافتها وطريقة السطو على القيم والمال تحت شعارات مختلفة، سواء بالاختباء خلف الشرعيات، أو خلف الدين والنواميس.

في هذا العالم الذي لا نكهة له، حكومات تنتج الجريمة والفتنة ثم تحاربهما بأفظع الخسارات التي تجني من ورائها امتيازات قذرة، مثلها مثل الحكومات التي لها دربة في صناعة الحروب وتوزيعها بتواطؤ الهمّل، وفي إنتاج اللصوص والقتلة، وهي إذ تفعل ذلك إنما من أجل تسويق سلاح الجريمة الذي تقف وراءه رؤوس الأموال الملطخة بالدم.

كما توجد في هذه الحياة حكومات وجماعات ترى ألا شيء يستحق الدفاع عنه سوى الأرصدة المودعة في البنوك الغامضة بفعل تهريب الأموال وتبييضها بأذكى الطرق وأقذرها، وتحت تغطيات مضللة، شأنها شأن الشعوب التي لا أخلاق لها، مع أنها تنتقد الأنظمة الفاسدة وترغب في التخلص منها لتحلّ محلها.

عالمنا مشوه، ولأننا ننظر إليه بعيون عمياء، فإننا نراه طبيعيا تقريبا، كما يليق بعالم معاصر تألق في غزو الفضاء وإنتاج المرض وتصديره لبيع أدوية الشركات المتعددة الجنسيات. إن هذه العصابات الملثمة، المستعدة لتخريب كل القيّم هي التي أصبحت تزرع الأوبئة والمبادئ في أرض الرب.

العصابات في الأوساط الشعبية أيضا لها دينها ونواميسها وقوانينها في المجتمعات المريضة، ولا فرق بين هذه وتلك إلا من حيث التموقع والقوة. لقد نسينا الأعداد والأرقام ووصلنا إلى مرحلة الوزن. أهملنا الآلات الحاسبة مذ أصبحت الأكياس منطقنا الوحيد في معرفة ما نملكه من أموال منهوبة، ومذ أصبحت العشيرة مجرى ومرسى.

انتهت مرحلة نهب الملايين وغدت مجرد ذكرى رائعة. كانت تلك الحقبة مليئة بالرحمة عندما كانت العصابات لا تسرق سوى مئات الملايين، وكان أولئك اللصوص مؤدبين لا يسطون سوى على ما يكفي ليعيشوا في بذخ بأموال أولئك الذين لا يجدون ما ينهبونه، مع أن الأغلبية مؤهلة للسطو على كل شيء، لم ينفع لا الدين ولا المدرسة في تربية الفرد.

الجماعات التي لها اهتمامات مشتركة وأذواق متجاورة التي تحدث عنها هنري ميللر تشترك في التوجهات الفلسفية والفكرية والموسيقية والأدبية والفنية واللغوية والعلمية، وليس في السرقة. لذلك حلم بعوالم صغيرة تعيش منسجمة في الكون الجريح، بعيدا عن الدول وحكومات الكبائر، وعن التجمعات البشرية التي تفكر بالأمعاء، وفي إطار مرجعيات يقينية لا يمكنها أن تؤسس لحضارة إنسانية مسالمة.

لو أن هذا الكاتب عرف ما يحدث في الجزائر لاقترح لكل حكومة حكومة، ولكل مسؤول ومواطن عسسا بعشرات العصي والمسدسات، ولوضع على رأس كلّ منا آلة للكشف عن القبح الذي يجري في عروقنا، من أبسط كائن إلى أكبر مسؤول يختبئ خلف القيم والمبادئ والروح الوطنية، إلى الجماعات الكاسرة الموجهة للمجتمع والمنطق المقلوب.

كلّ منا جماعة لها برلمانها، جماعات في عداء مع نفسها وبلدها واستقرارها، بينها وبينها سوء تفاهم لتضارب المصالح، كما يليق بالفرد المتصدع في مجتمع ذاهب إلى الجهل، وقادم منه. جماعات لها دولتها وشعبها ودساتيرها، ولكل منها كوكب مليء بالأوهام. ذاك ما لاحظه هنري ميللر قبل أعوام عندما فضح ذواتنا المهزوزة.

وهذا ما وصلنا إليه بعد 58 سنة من استرجاع السيادة الوطنية، ولا ندري إلى أين نحن ذاهبون بعشائرنا وقبائلنا وسفاسفنا وأنفسنا السديمية، وننافق في هذه الغابة التي في شكل عروش غامضة ليست إلا حقول من الألغام القابلة للانفجار، اليوم أو غدا.

هذا البلد، بلدنا السائر في طريق مظلم، يتمدد في فم الغول بفعل التشرذم الناتج عن الجهوية والعصبية والوهم المقدس، عن التضليل والخطاب التبسيطي، عن الشرخ الأعظم، عن المهاترات اللسانية والعقائدية الملوثة بالأيديولوجيات الكسيحة. إننا على أبواب تبوأ الجماعات المتوحشة، ليس كما رآها هنري ميللر، بل كما يراها الطماعون والمستفيدون من الفتن الوشيكة، لا قدر الله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق