page contents
أقلام الوطن

ما لا تراه الكتابة

بقلم الدكتور السعيد بوطاجين

من القضايا التقنية التي يفترض أن يأخذها السرد في الحسبان، ما تعلق بطبيعة الجملة السردية، ومن ذلك: السرعة والتبطئة بمفهوم ميشال بوتور، ولعلّ ذلك ما انتبه إليه تزيتان تودوروف في كتابه: “الأدب في خطر” عندما راجع المناهج الحداثية، رغم بعض التحفظات التي اتخذت مسافة بينها وبين منظور تودوروف.

سيلاحظ علم السرد التجريبي، أو الانطباعي إن وجد، صدوع الكتابة السردية في بعض جوانبها، كالسرعة والتبطئة، لكن ذلك يتطلب مدوّنة مصطلحية إضافية لإتمام القراءات التي تميّز الدراسات الحالية، وتمثلا للعمل الأدبي ومكوناته، أي فرضية ظهور نقد مؤهل للكشف عن طبيعة التمفصلات. الطروحات الجديدة، رغم قيمتها، أسست على عرض هذه التمفصلات من جانبها البنائي، دون الكشف عن المطبات.

ثمة في نصوصنا ما يجعلنا نطرح هذا السؤال: هل هناك وعي بالجملة السردية؟ يفترض أن تكون هناك علاقة تناغمية بين الأحداث والحركات والجملة الناقلة لها،  فإذا ركن السرد إلى الاستراحة، بتعبير جان ريكاردو، سواء كانت مشهدا أم وقفة، فستكون لها وظيفة، ولا يمكن للاسترخاء أن يكون اعتباطيا، وإلا غدا خللا.

يتفق النقاد على أن هناك عدة طرائق لتسريع السرد، كتفادي التضخمات عندما تكون الشخصية في حركة، ما يجعل التوقف مناقضا لكثافة الأحداث، لذا يفضل تأجيل العرض إلى فترات لاحقة: وصف المكان، الشخصية، اللباس… ومن ثم التركيز على الأفعال، وتكون التبطئة جزئية لأنه لا يوجد سرد صاف لا تتخلله وقفات أو أفعال واصفة: النص مليء بأفعال دالة على العرض، وليس على الحركة، كما يمكن الاعتقاد بناء على التجليات.

وإذا كان التسريع مبنيا على وعي قيمي، كالاحتماء بالجملة الطويلة، كما يفعل فوكنر ومارسيل بروست، أو بتكثيف الأفعال، أو بالتحكم في علامات الوقف، تأسيسا على رؤية وظيفية، فإن التبطئة تنتج عن وعي بمجموعة من الوظائف، كصناعة متقنة لها وسائلها في تشكيل نسيج عينيّ لأن الوصف ليس استراحة لإضاءة بعض العناصر فحسب.

لكنّ الوصف قد يقصّر في تأدية مهامه، وهذي إحدى مشكلات الجهد السردي، يعود الأمر إلى بعض التساهل: تخلي الكاتب عن الانضباط، ثمّ انسحاب النقد، أو قصور مداركه. ربما كان على الكتابة الاستفادة من الصورة والأفلام السينمائية التي اجتهدت في هذا الجانب لترقية طرائق التواصل.

تحدّث فرانسوا تريفو في كتابه “أفلام حياتي” عن قضايا مثيرة: كتب ألفريد هتشكوك برقية من هوليوود إلى مساعده بفرنسا بعد إنجاز فيلم مشترك: “تمثيل جيد، عمل رائع، لكن الكاميرا لم توضع في مكانها الحقيقي أثناء تصوير تقاطع سيارة وحافلة في المنعرج”.

تستغرق اللقطة فترة زمنية قصيرة، لكن هتشكوك لاحظ الخطأ، وتمّ إعادة تصوير المشهد من زاوية أخرى. المتاعب نفسها تعترض التبطئة السردية، إذ إن الوصف هو الوسيلة الوحيدة التي تقدم العناصر غير الحركية، لكن بعض الوصف غير ضروري للحكاية، كما أنّ بعض الصفات والتشبيهات تدخل في الدلالة المكررة، بمفهوم هيجل في فلسفة الجمال.

إن قولنا: كان يمشي حافي القدمين تعد معاودة من حيث إنّ صفة “حافي” تحيل على ما يليها بالنظر إلى العلاقة التلازمية بين الصفة والموصوف، في حين أن جملة طه حسين في كتاب الأيام: ” كان يمشي في حذائه حافي القدمين”، تحيل على معنى مضمر مفاده أنه كان بلا جوارب، أو كان فقيرا.

وهكذا بالنسبة إلى قولنا كان يمشي على رجليه، أو كانت الدموع تنزل من عينيه وتسيل على خديه، مع أن جملة قصيرة كفيلة بنقل المعنى كاملا: كان يبكي، وللمتلقي أن يتخيل المشهد وفق قراءته. إن الصيغة الأولى تحدّ من متخيل المتلقي، أو أنها، بتعبير فيليب هامون، تبذر الوقت والحبر والورق على حساب الاقتصاد الوظيفي.

لا يمكن نفي الدلالة عن التكرار إن كان ضروريا، لكن المغالاة ليست ذات فائدة، ومن ثم يكون التلميح أجدى لتفادي الاستغراق في الجانب التعليمي الذي قد يلحق ضررا بالمضمرات، كما يمكن أن يسهم في تعرية النص وانغلاقه على المعنى، دون أن يترك مجالا للمتلقي لمساءلة ما فكّر فيه الكاتب ولم يكتبه.

وتكمن المشكلة الأخرى في التبطئة المعيارية القائمة على الحفظ الذي يكرّس الكيفيات، وهو أمر وعاه كتاب أدركوا قيمة التجاوز عن طريق الاجتهاد، تفاديا لتقنين المرجع وتبديه الجهد العقلي.

يفترض الوصف اللجوء إلى الاقتصاد اللغوي إن أدرك الكاتب أنه إطناب، أمّا مراجعة المرجع وأسباب تكريسه فتعود إلى ثقافة الكاتب ومداركه، مع ذلك فالفكرة قابلة للجدل من حيث إن خلفيات إنتاج المرجع والدلالة لها أيديولوجيتها، ثم إن الوصف تخييل، وليس نقلا إملائيا.

وإذا كانت التبطئة، تقنية ملازمة، فإن لها طرائقها التي لا تضع عنصر الإثارة جانبا، لتكتفي بنقل الاستعمالات الجاهزة، بقدر ما تقلل من قيمة أدوات الإضاءة، أمّا إذا حدث العكس فقد يقع الإبداع في فجوات المسلسلات التجارية التي تعرقل نموّ السرد من أجل تمطيط الحكاية بوقفات ومشاهد لا أهمية لها.

قد يحتاج الموضوع إلى إعادة نظر في حدود النقد الحالي، أو العودة إلى المساجلات الماضية بأدوات نقدية أكثر معرفة، ومتممة للتجربة السابقة التي بلغت ما بلغته بعد جهد وتأمل. أجد الآن في كتابات القدامى ما من شأنه أن يقدم مقاربات أكثر مسؤولية، إن تمّ تطعيمها بعناصر سيميائية تفي بالغرض. ربما كنا بحاجة إلى نوع من المزاوجة لخدمة النقد والنص معا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى