page contents
ملفات

محمد روينة رتّب استسلامَه مع سعيد عبيد دُونَ علمِنا

شهــادةُ رائد جيش التّحرير عن الولاية السّادسة عمر صخري لـ "أخبار الوطن":

  • فخُ جهازِ “ستنسيل” قاد المخابرات إلى مخبأ شعباني
  • السهولة التي قُبض بها على شعباني أدهشتني
  • 120 بندقية “مات” أخرجناها من وزارة الدفاع لمواصلة التّمرد

الـحــلــقة الثانية عشر:

يواصل رائد جيش التحرير عن الولاية التاريخية السادسة،  وأحد أهم كوادرها، عمر صخري صاحب 87 سنة،  سردَ شهادته،  خاصة ما تعلق منها بالاستسلام “المُرّ” لمحمد روينة المكنى بـ “غنتار”،  عندما رتب الأمر مع العقيد سعيد عبيد قائد الناحية العسكرية الأولى بالبليدة،  بالإضافة إلى السقوط السريع والسهل لمحمد شعباني عبر فخّ جهاز “ستنسيل”،  الخيط الذي التقطته المخابرات وتمكنت بفضله من الوصول إلى ريف بوسعادة “الحمالات”،  والقبض عليه رفقة كل من حسين الساسي وعريف سليم. كما يروي المتحدث كيف قاد ما تبقى من جيوب “التمرد” في جبال بوكحيل (بوسعادة) واحمر خدو(الأوراس)،  في محاولة منهم للثأر لشعباني،  الذي أعدم نتيجة “تمرده”. كل هذه التفاصيل وغيرها تجدونها في الحلقة الثانية عشرةَ من شهادته التي خص بها “أخبار الوطن”.

ــــــــــــــــــــ فـاروق مـعـزوزي ــــــــــــــــ

ما الذي كان يريده محمد روينة المدعو “غنتار”؟

همُّه الوحيد كان الفلوس،  والدليل أنني لما التقيت به وببعض المسؤولين،  خاطبته قائلا: “المال غير موجود”،  وذكرت له الأسماء والمبالغ وأبلغته أنني قد وزعتها على الإطارات،  وحتى في حال القبض عليّ ميتا أوحيا أو استسلمت لا قدر الله لن تضيع الأموال، وأذكر من بين الحضور الأحياء الشاهدين على هذه الحوار : الهاشمي جديدي وعصمان وصادق دبابش. وهنا،  اندهش غنتار عندما لم يجد المال فقد جاء من أجلها، ثم أبلغني بأنه ذاهب إلى بسكرة حتى يستسلم. عندما وصل لم يجد المال،  لأنه كانت بحوزة شقيقه. لقد عاد فقط من أجل أن يأخذ نصيبا من المال.

كيف شكّلتُم الفِرق،  وما هي المناطق التي اتخذتموها حصونا لكم؟

بعدما أكملنا اجتماعنا الذي ذكرت،  وزعت المجاهدين فرقا لتنتشر في جبل بوكحيل. وقتها كنت في أوج اتصالاتي من أجل تحريك وتكوين الخلايا حتى في العاصمة. حيث أخذت الخلايا في تدريب السرايا في متيجة،  وتمكنا من الاتصال بجماعة “الميصاليست”،  والذين كانوا يتدربون على مهاجمة الضواحي ووزارة الدفاع. لقد وصلنا حتى لوزارة الدفاع لإخراج 120 قطعة رشاش مات.

أين هو غنتار من هذه التحضيرات – بصفته قائدا ميدانيا – لهذا “التمرد”؟

لم أعد أخبره بما أفعل، لأني لم أعد أثق فيه؛ كنت عندما أخرج أتركه مع المجاهدين في المكتب الذي أسسته،  فأصبح يطلب من المجاهدين تحويل الحجر من مكان إلى مكان أخر حتى يملّون ليدفعهم للاستسلام، لكنهم كانوا صابرين. وفي يوم من الأيام، قلت له إني متجه إلى ضواحي بوسعادة لتكوين خلايا ومراكز هناك،  فيما سيبقى معك عمار كلاتمة (ما زال حيا يرزق الآن)،  هذا الأخير كنت قد أعطيته فرقة من المجاهدين ليسير بها إلى أولاد سليمان، أجابني غنتار معترضا: “عمار يحتاج إلى زيارة أهله لرؤية أولاده”،  ولكن غنتار كان قد بعثه إلى شقيقه ليرتب له استسلامه.

ما الذي حدث بعد ذهابك إلى بوسعادة،  وكيف تصرف غنتار من ورائك؟

ذهب عمار كلاتمة وقابل شقيق محمد روينة “غنتار”،  وقد اتفقوا مع سعيد عبيد حتى يسلم نفسه في البليدة، وعمار كلاتمة هو من ضبط له الموعد، فيما كنت أنا في الجبل “الظهراوي” كان غنتار خرج مع جنديين بمعية عمار كلاتمة، وقد ترك لي رسالة مفادها أنه متوجه إلى جبل مساعد،  ولكنهم نزلوا إلى طريق المعبد بين الشعيبة وبئر النعام (شرقي بسكرة)،  أخذتهم السيارة مباشرة للبليدة عند سعيد عبيد.

مقاطعا..كيف بلغكم نبأ استسلامه؟

كان معي أبي اليقضان من القرارة،  وعندما شغّل المذياع سمع عبر الأثير خبرا عاجلا مفاده أن محمد روينة المدعو غنتار جعل نفسه تحت تصرف الدولة. جاءني مهرولا وبلغني بالأمر،  قائلا: “محمد قد فعلها”. فأجبته أنا صعدت للجبل من أجل الثأر لشعباني. أما وقد هرب واستسلم هذا المسئول في الجيش،  فما جدوى كفاحي؟ وعلى أي أساس أو هدف ادفع بهؤلاء الناس للموت؟

كيف تصرفت بعد أن تَناهى إليك هذا الخبر الصاعق؟

أمضيت الليل أفكر،  حتى اهتديت إلى أن استسلام “غنتار” سيُستَثمر ضدي،  لأني ما زلت مرابطا في الجبل،  وسيردون له الاعتبار في بسكرة ليمكنوه من مكافحتي،  فهؤلاء المجاهدون الذين ما زالوا معي أصبحوا في خطر،  فقررت أن نسلك سلكا مغايرا. “نسيت أمر غنتار تماما،  وأخليت سبيل المجاهدين الذين معي وضمنت سلامتهم،  رغم أنهم انضموا إليّ بإرادتهم،  بقيت قلة قليلة معي فقرّرنا أن نختبئ في الجبال.

مقاطعا..هل كنتَ مصمِّما على “التّمرد” الذي بدا فاشلا؟

طبعا.. لكن دون أن أدفع الناس إلى الموت. اتصلت بمجاهدين من الأوراس،  التقينا وأخبرتهم بما يريدون من “غنتار”. ضمنت لهم ألا أحد منهم سيذهب السجن، وطلبت منهم الاحتفاظ بالمال الذي بين أيدهم،  لأنكم قد لا يحصلون على عمل في غضون شهور. وطمأنتهم بأنه من يرغب في البقاء معي فليبقى،  فأنا لن أتركهم مهما حصل.

ماذا كان ردهم؟

تفرق المجاهدون يبكون،  وقد غادروا فيما بقيت أنا في الجبل ومعي زهاء سبعة من الأشخاص،  من بينهم الصادق دبابش وخير الدين خضرواي وإبراهيم الساتة وأبو اليقضان. وأذكر أنه كان عندي شاب في غاية النشاط والنباهة،  وكان يزور جوازات السفر الفرنسية سابقا،  لقد كان “ميصاليست” إلى النخاع. طلبت منه أن يحضّر لي مجموعة من جوازات السفر،  حتى أمكن رفقائي من الخروج باتجاه المغرب أو تونس، حتى لا يقعون في فخ السلطة،  لكن عندما بحثت عليه في الليل وجدته قد أُلقي القبض عليه.

في هذه الظروف،  هل حدث أن نسّقت وخطّطت مع شعباني؟

كنت في الأوراس أحدد أماكن للجنود،  فقد خفت أن أتركهم يتصرفون من تلقاء أنفسهم،  وزعتهم في المناطقهم التي سيعشون بها وتركت لهم مئونتهم،  كان ذلك في جبل حمر خدو والجبل لزرق،  ثم نزلت فاتصل بي شعباني ورفاقه أكثر من مرة وكنت لا استجيب لهم.

مقاطعا..ما سِرُّ عدم استجابتك لهم؟

كانوا يريدون مني أن أذهب للرئيس أحمد بن بلة،  كوني مقربا منه ويحترمني كثيرا، لأقوم بدور الوساطة. تجاهلت اتصالاتهم المتكررة لكن في الأخير قررت الذهاب عندهم،  ووعدتهم بأني لا أتأخر عليهم،  لكنهم ذهبوا لريف بوسعادة بمنطقة “الحمالات”، وأنا في طريقي إلى تثبيت الجنود سمعت أنه أُلقي القبض على شعباني،  فلا نحن التقينا ولا خططنا ولا نسقنا.

هل توقَّعت أن يُقبض على شعباني بهذه السهولة؟

لم أكن أتوقع هذا أبدا؛ أن يقبض عليه بهذه البساطة أمر استبعدته تماما،  لأنه كان في منطقة يعرفها جيدا،  وبين مجاهدين يعرفهم حق المعرفة،  كان القبض عليه مفاجئة كبيرة جدا.

مقاطعا..ما سببُ هذه الحَيرة لديك؟

أوَ تكون الخيانة بهذا اليُسر والبساطة؟ كيف تخلى عنه كل من حوله؟ لقد كان معه جيش بأكمله!

من بلَّغ عن شعباني وخانه؟

يقال،  ولست متأكدا،  إن عبد الرحمان بغدادي حارسه الشخصي أيام الثورة هو من بلغ عنه. وثمّة ضابط من الجيش طارد شعباني،  هو من فسّر كيف أوقعوا بعبد الرحمان بغدادي وكيف قادهم للمكان الذي اتخذه شعباني مخبأ له.

مقاطعا..كيف جَرى الإيقاعُ به؟

أرسل شعباني عبد الرحمان بغدادي حتى يجلب له جهاز “ستنسيل” من بوسعادة،  واختاره هو بحكم أنه يثق فيه كثيرا،  لأنه كان برفقته أيام الثورة الثورة. لقد أراد الجهاز ليكتبوا به منشورا أرادوا توزيعه على الشعب،  حتى يشرحوا له وجهة نظرهم حول الأزمة القائمة. أثناء شرائه الجهاز من عند “لامبري”،  هذا الأخير كان يعمل لصالح السلطة،  خاف من أن يسلمه الجهاز فتظاهر بأنه مشغول وطلب من البغدادي العودة بعد ساعة من الزمن. هاتف المخابرات وقال لهم ثمة شخص يريد جهاز “ستنسيل” والظاهر عليه أنه من جماعة شعباني.

ما الذي حدثَ بعد الاتصال بالمخابرات؟

تم نصب فخ له،  فعندما جاء ليأخذ الجهاز جرى القبض عليه – حسب رواية ضابط وزارة الدفاع، فأخذهم إلى المكان الذي اتخذه شعباني مخبأ له. الله وحده يعلم هل عُنف أو تم الضغط عليه أو اعترف أو تعاون معهم،  لكن شعباني تحول من مكانه بعد أن غادر بغدادي دون أن يبتعد كثيرا،  وعندما وصلت السيارة التي كان بها عبد الرحمان بغدادي،  ذهب الجميع لاستقباله ظنا منهم أنه كان وحده،  وهناك وقعت الواقعة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق