page contents
أقلام الوطن

مريم هي التي أمامكم

بقلم الدكتور السعيد بوطاجين

تابعت الأخبار والصور والتعليقات والفيديوهات التي تزامنت مع إطلاق سراح الرعية الفرنسية صوفي بترونين (75 سنة)، الطبيبة المتخصصة في التغذية التي اختطفت في 24 ديسمبر 2016 في منطقة غاو بشمال مالي عندما كانت تشتغل في مجال الإغاثة، إضافة إلى الكاهن الإيطالي بيار لويجيماكالي الذي كان يعيش في النيجر منذ 2011، وقد تم اختطافه من منزله في 2018 في موانغا، جنوب غرب البلد، وهناك السياسيسومايلةسيسه ( 70 سنة) الذي خطف بدوره في 25 مارس 2019 عندما كان يرويج لحملة الانتخابات التشريعية في تمبوكتو، كما تمّ تحرير رعية إيطالية أخرى وعدة سجناء تذهب بعض الأخبار إلى اعتبارهم جهاديين تابعينلتنظيم القاعدة، وعددهم مائتان، أو مائتان وخمسة تحديدا حسب تصريح الطبيبة بتردد. حدث ذلك بعد الإطاحة بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا بأسابيع.

صوفي بترونين امرأة شبيهة بالأم تيريزا التي قدمت كثيرا للإنسانية. سافرت الى دولة مالي كمتطوعة في 2011، وقد أسهمت عام 2013 في بناء دار الأيتام بغاو، وضمت الدار مئات اليتامى، كما عملت على تأسيس جمعية للمساعدات الإنسانية بمعية متطوعين سويسريين كانوا قريبين من قناعاتها، وفي 2012 سيطرت الجماعات المسلحة على غاو بالساحل فتمّ تهريبها إلى الجزائر، لكنها عادت إلى هناك رغم مخاطر الحرب. لقد كانت مصرة على إتمام جهدها الخيري الذي تحدثت عنه مباشرة بعد تحريرها، واعدة بالرجوع إلى النيجر للاطمئنان على مسار مشروعها والتأكد من أن منظمة إغاثة الأطفال التي كانت ترأسها تواصل عملها بشكل مناسب، كما ذكرت في سفارة بلدها في باماكو، وكررت ذلك بعد وصولها إلى فرنسا رغم معارضة ابنها الذي بدا مناوئا للفكرة من أساسها، كما عبرت عن ذلك إيماءاته من خلال صور عرضتها إحدى القنوات الفرنسية.

المحلل السياسي وسيم نصر قال في فرانس 24: إن عملية إطلاق سراح الرهينة الفرنسية الأخيرة في العالم صوفي بترونين، والتي كانت بقبضة الجهاديين في مالي، أتت بعد أن تمّ دمج صفقتي تحرير زعيم المعارضة في البلاد سومايلا سيسي ورهينتين إيطاليتين، وتوسيعها لتشملها…وأن الارتباك الذي ظهر في عملية تحرير الرهائن وتأخر وصولهم إلى باماكو سببه تأخر آخر دفعة من سجناء تنظيم القاعدة المفرج عنهم من سجون الحكومة المالية، وإلى مهلة طلبها التنظيم مدتها ثلاثة أيام لإخفائهم”.

في الوقت نفسه قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بيان صادر عن الإليزيه يوم الخميس 3 أكتوبر 2020: “إن الإفراج جاء بفضل تضافر أجهزة المخابرات وقوات الجيش، وشركاء ماليين”، كما ذكر بأن “الحرب على الإرهاب في الساحل مستمرة”، دون الإشارة إلى الفدية. أمّا الطبيبة صوفيفقالت إنها لا ترغب في الدخول في الشأن السياسي، ولا تعرف إن كانت هناك مقايضة تتعلق بإطلاق جهاديين من القاعدة مقابل تحريرها، كما رفضت استعمال المصطلحات المتداولة، ومنها الجهاديين والارهابيين والمتمردين. لكن الرئيس الفرنسي يعرف كيف تمت الصفقة، وبأي ثمن حصل ذلك في إطار “الحرب على الإرهاب في الساحل”، الأمر الذي يذكّر بكتاب: لماذا يكذب القادة؟ للكاتب الأمريكي جون ميرشايمر الذي فضح فيه افتراءات الزعماء عبر التاريخ.

القصة تزامنت مع تصريحات الرئيس الفرنسي التي اكتنفها نوع من التعميم الذي أسس، بشكل ضمني، على المركزية المسيحية وخطاب الكراهية الذي تسوقه بعض الأنظمة، مع أنّ له كل الحق في حماية قوانين الجمهورية الفرنسية. لقد قال:” إن الإسلام دين يعيش أزمة في كلّ مكان”، دون التمييز بين الإسلام والمسلمين والإسلام السياسي والمتطرفين والمرائين والأدعياء. ما جعل الفيلسوف ميشال أونفراي يقول: “نحن سبب التطرف”، متطرقا إلى الاستعمار الجديد الذي يؤسس عليه الغرب ويتخذه أساسا للتقييس. في الوقت ذاته تعلنبترونين، وهي ترتدي وشاحا أبيض، لحظة نزولها في المطار، وأمام الرئيس وأجهزة الإعلام: “سأصلي من أجل مالي، وأنا أطلب البركات والرحمة من الله لأني مسلمة، تقولون صوفي، لكن مريم هي التي أمامكم”. أكان ذلك سببا في إلغاء الندوة الصحفية للرئيس؟ وكيف لم تكتشف المخابرات دخولها الإسلام؟

لقد ظلت مريم، في هذا الجو الهيتشكوكي المريع، بعيدة عن التجاذبات السياسية والدينية والاعلامية والأيديولوجية والتنصير والترهيب،وهكذا قدمت، بناءعلى إيمانها بالمثل المقدسة، خدمات جليلة للفقراء والأيتام عندما كانت مسيحية. لم تكن ذيلا للخطاب الرسمي الذي تمليه المؤسسات الضاغطة ورؤوس الأموال والأحزاب العنصرية، تماما كما فعلت الأم تيريزا عندما سخّرت حياتها خدمة للفقراء، بمنأى عن العقائد والرايات والتحديدات الجغرافية والنزاعات التي ألحقت ضررا كبيرا بالقيم النبيلة التي دهستها العصبيات والمغالاة في تمجيد الذات واحتكار الله، تلك اليقينيات التي أنتجت كائنا أحاديا لا قدرة له على التحرر من صدام المرجعيات الفتاكة.

ما حصل خلال الأسبوع من تشنجات وانتقادات وتأويلات وترحاب ورفض وتمييز يعكس الانحطاط الأخلاقي والروحي الذي يسم التجمعات البدائية التي تمثلنا في القرن الواحد والعشرين، كما يفضح أعماق وحيد القرن الذي يتحدث عن ما بعد الحداثة، وعن حوار الديانات والحضارات. لقد اختارت هذه المرأة طريقها، وذاك شأنها، لكنها قررت أن تستمر في خدمة الأطفال، وذاك ما يحدد قيمة الفرد في هذا الكون المتوحش الذي يقود الإنسان إلى العمى باسم الدين والأوطان والقوميات والأيديولوجيات والملل والنِّحل، وباسم القيم الحضارية. السيدة مريم هي انتصار للإنسان على الأطماع والحماقة، وذاك ما يحتاج إليه هذا العالم المنحط.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق