page contents
أقلام الوطن

مشاريع تاريخية للوصول إلى مئوية الدولة

الطريق السيار شرق غرب مشروع اجتماعي وليس اقتصادي

تقترب الدولة الجزائرية شيئا فشيئا من تحقيق بقاء مئوية الدولة الجزائرية سنة 2062، هذا الحدث التاريخي ليس بالأمر الهين، فبقاء الدولة والحفاظ على طابعها الجمهوري ومؤسساتها السياسية ليس بالأمر السهل في ظل محيط يتصف بالاضطراب والتغير والمساس بسيادة الدول تحت عدة مسميات، في هذا الصدد واجهت العديد من الدول لا سيما دول العالم الثالث عدة تحديات ولم تصل إلى خمسينية تأسيسها فما بالك بالمئوية، فواجهت تحدي الانفصال وبروز دولتين بعد أن كانت دولة واحدة، كما هو الشأن بالنسبة لدولة السودان التي تحولت إلى دولتين ذات سيادة دولة السودان ودولة جنوب السودان، كما واجهت بعض الدول الأخرى تحدي تقسيم السلطة والأقاليم ذات الحكم الذاتي وخروجها عن سيطرة الدولة في بعض الأحيان، وهناك عديد من التحديات التي تواجه عمر الدولة وقد يصل الأمر في بعض الحالات بقاءها، لكن وفي الحالة الجزائرية كيف يمكن استقبال هذه المئوية، وما هي العوامل المساعدة على استمرار الدولة أمام كل التحديات المذكورة سالفا؟.

لا شك أن السجال الداخلي وحده لا يكفي وإن كان الهدف منه تحسين الحياة السياسية وإعطائها أكثر ديناميكية وتحقيق الحكم الراشد، لكن الأهم هو تحقيق عمليات التنمية الحقيقية ذات المشاريع الكبرى التي تنقل البلاد كلية إلى وضع مختلف تماما عما كان عليه سابقا، ويعطي حيوية للاقتصاد الوطني، وبعد مشروع الطريق السيار الذي يربط أقصى الحدود الغربية بأقصى الحدود الشرقية، ورغم حجم الميزانية الهائل، إلا أن قضايا الفساد التي لحقته والعيوب التقنية التي مست بمصداقيته جعلته لم يرق إلى مستوى التطلعات فضلا من أنه لم يكن اقتصادي بقدر ما كان طريق اجتماعي تستفيد منه الساكنة حتى وإن تم وضع تسديد الرسوم لاستعماله فلن يكون عائد اقتصادي كبير منه، وعليه لا بد من وضع استراتيجية أساسية للتمييز بين المشاريع التنموية الكبرى بين ما هو مشروع اجتماعي وبين ما هو اقتصادي، ووفق هذا المعيار يتم وضع الميزانيات وتحديد الأولويات، المشاريع الاجتماعية ضرورية لكن لا يجب أن تكون على حساب التحديات الاقتصادية الكبرى التي هي بمثابة الشريان الحقيقي الذي تتنفس منه الدولة ويساهم في صيانتها وتحقيق العدالة الاجتماعية ومبدأ تكافؤ الفرص، وبالتالي يمد أكثر من عمر الدولة ويجعلها تصمد أكثر أمام التحديات التي تواجهها، وأمام الفشل الحتمي لمشروع الطريق السيار شرق غرب الذي أصبح مشروع اجتماعي ولم يساهم في الحركة الاقتصادية بالشكل المطلوب لا بد على الدولة مراجعة حساباتها من جديد وتحديد ما هو اجتماعي وما هو اقتصادي، وفي هذا الصدد ولتحضير استقبال المئوية الأولى للدولة الجزائرية لا بد من بعث شرايين الحياة الشريان الحديدي والشريان الاسفلتي.

الشريان الجديد الذي يمتد من الشواطئ إلى غاية أقصى نقطة في الجنوب برج باجي مختار، مشروع استراتيجي وهو اقتصادي بالدرجة الأولى يهدف الى ربط الشمال بالجنوب بخط دائم ويسهل أكثر حركة تنقل الموارد الباطنية والطبيعية الموجودة في المناطق الداخلية، إلى المناطق الشمالية إما المصانع الوطنية كالحديد ومواد البناء الأساسية وحتى المنتوجات الزراعية التي عرفت نجاحا كبيرا، بحركة تنقل دون تكلفة مع ضمان استمراريتها، وفي ذات الوقت يتم مد المناطق الداخلية بكل ما تحتاجه من مستلزمات أساسية فهذا الشريان هو اقتصادي أكثر منه اجتماعي، ويكون من بين المشاريع الكبرى لاستقبال المئوية التاريخية الجزائرية، فضلا عن توافر جميع الظروف الممكنة لنجاح هذا المشروع الحيوي، وخلق مدن جديدة سريعة النمو في الخط الذي يعبر منه هذا الشريان الحديدي، كما يضع من جهة ثانية الدولة الجزائرية أمام تحدياته الإقليمية، كدولة لها عمق استراتيجي حيوي.

أما الشريان الثاني فهو الشريان الإسفلتي الذي يمتد من الشواطئ الشرقية إلى أقصى نقطة في الجنوب مع الحدود الجزائرية ودولة النيجر، والحدود الجزائرية الليبية، مشروع لا يقل أهمية عن الشريان الحديدي، وكونه إسفلتي عائد إلى جملة من العوامل، لعل أبرزها الثقل السكاني الكبير الذي يتركز في الشرق أكثر منه في الغرب، والحركية الدائمة والمستمرة لا سيما الاقتصادية لتركز الشركات العاملة في مجال الطاقة من جهة، والمركبات الصناعية من جهة أخرى، فالطريق الإسفلتي المزدوج هو اقتصادي بالدرجة الأولى، ويمكن أن ينقل البلاد إلى وضع أحسن ومتقدم، ويربط النشاط الاقتصادي في الجهة الشرقية ويجعلها أكثر تكاملا، ويفتح البلاد على آفاقها المستقبلية على دول الجوار ويعزز التعاون والتكامل الاقتصادي.

إن هذين المشروعين وغيرهما من المشاريع التنموية الاقتصادية الكبرى يجب أن يتم وضعهما من بين الأولويات لتحضير استقبال المئوية التاريخية الأولى للدولة الجزائرية، وبمؤشرات اقتصادية واجتماعية مختلفة تماما عن الوضعية الحالية.

د. مبروك كاهي: كلية الحقوق والعلوم السياسية

Kahi30@live.fr

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق