page contents
أقلام الوطن

مشكلة الاقتباس

بقلم الدكتور السعيد بوطاجين

تبدو قضية الاقتباس أمرا محيّرا عبر تاريخ العلاقة ما بين الكلمة والصورة والتمثيل، من الثلاثينيات إلى اليوم. لقد ظلت المسافة بين الكاتب والمخرج متذبذبة، وصدامية في سياقات بالنظر إلى عدة عوامل موضوعية وذاتية، ومنها: كيفية التعامل مع المنجز، أو طريقة قراءته إخراجيا، دون المساس بجوهره.

ذاك ما حصل في عدة أفلام قفزت على الجواهر بالتركيز على الهوامش، أو بتعديل الحكاية وفق منظورات خاصة لا علاقة لها بالنص الأصلي الذي أسس على منطق عيني. كانت لرؤية المخرج منطلقات خاصة، ومن ثم الإسهام في تحوير بعض المقاصد بالحلول محل الكاتب. لكن ذلك لم يلغ العلاقة بين السرد والصورة. لقد ظل كلاهما يستقي من الآخر معارف جديدة.

أمّا في الحالة الجزائرية فهناك مسافة كبيرة بين السرد والصورة والاقتباس، إن كان اقتباسا وليس نقلا. ذلك أن أغلب المخرجين  يفضلون أن يكتبوا لأنفسهم، بصرف النظر عن مستواهم، أو أن يهاجروا إلى الكتابة الغيرية لأسباب تجارية، أو تأسيسا على مواقف من المنجز المحلي الذي يعتبرونه  دون قدراتهم الإخراجية، في حين أن الواقع يدعو إلى إعادة النظر في مواقفهم بناء على أسس أكاديمية.

يبدو طرح هؤلاء غير مؤسس بالعودة إلى المدونات السردية والمسرحية الجزائرية. لذا، من المهم البحث عن أسباب هذه العلاقة الصدامية، بعيدا عن المسوّغات القائمة التي يقدمها بعض المخرجين، دون الإطلاع على ما يكتب، أو باتخاذ مواقف قبلية مما ينجز داخل الوطن.

مع أننا نجد أغلب دول العالم تهتم بمنجزها، إلى درجة إقامة مؤسسات خاصة بصناعة علاقات ما بين الناشر والكاتب والمنتج لتسهيل مهمة المخرج. كما أن عدة بلدان عربية اهتمت بأدبها، قراءة وتثمينا وتمثيلا وإخراجا: سوريا، لبنان، مصر، العراق. نذكر، للتدليل على ذلك، أعمال نجيب محفوظ التي تحوّلت إلى أفلام راقية أخرجها سينمائيون مكرسون.

يبدو أن الدعم المقدم لبعض المخرجين، هو، دعم للثقافات والممارسات المستوردة، لتقاليد الآخرين وتاريخهم ومنظومتهم الفكرية ومقاصدهم من وراء إنتاج أفلام بأموال جزائرية، وبرؤى لا تمت بصلة للهوية الجزائرية، مع استثناءات قليلة جدا، وغير مؤثرة.

هناك كتابات جزائرية راقية يمكن الاستفادة منها بأقلّ التكاليف. أشير إلى منجز محمد ديب ومالك حداد ومولود معمري والطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة ورشيد بوجدرة وأحلام مستغانمي ومولود فرعون وأحلام مستغانمي. إضافة إلى الكتابة الجديدة التي أصبحت ذات قيمة استثنائية، ومن ثم إمكانية استغلالها في خدمة الصورة. ليس من باب المنطق إغفال القيمة الفنية للنص الجديد. هل المخرجون الجزائريون أكبر من الإبداع الجزائري؟

الأمر لا يتعلق بمقاطعة الآخر لأنه ضروري لإثراء الوعي والتجربة ومختلف الممارسات التي تقوّي المنظورات الفنية، بل بالإعلاء من شأن الكتابة المحلية لأنها مهمة، وأكثر ارتباطا بالمحيط الخارجي، وأكثر تعبيرا عنه من النصوص التي أنتجت في سياقات مغايرة، وتأسيسا على مرجعيات لها تاريخها وهويتها وحضارتها ومقاصدها.

ما حصل لأغلب السينما الجزائرية، باستثناء بعض الأفلام، هو نفسه ما حصل للخشبة. المخرجون المسرحيون مولعون بشكسبير وبيكيت وبريخت وغيرهم، أو ببدائلهم الخاصة التي قد لا ترقى إلى مستوى ما يكتب من روايات ومسرحيات، أو تأسيسا على علاقات نفعية. إنهم يشبهون بدورهم السينمائيين في تهجير المشاهد إلى الثقافات الأخرى، وإلى طرائق تفكيرهم وممارساتهم، مع وجود حالات لا يمكن القياس عليها من حيث إنها غير مؤثرة في المشهد العام الذي غدا تبسيطيا ومعقدا.

أتصور أنّ أغلب السينمائيين والمسرحيين الجزائريين يركزون، على مقولة ” زامر الحيَ لا يطرب”، وهم، في حالات كثيرة، يقدمون أفلاما فاشلة لأنهم يجمعون ما بين الكتابة والسيناريو والإخراج والتمثيل والسينوغرافيا. ما يعني أنهم يحتكرون الفيلم والمسرحية ولا يشركون متخصصين في مختلف المجالات لإثراء أعمالهم. لا يستفيدون من السيميائيات البصرية وسيميائية الصورة والسيميولوجيا: الإنتاج السينمائي والمسرحي في التقاليد العالمية، ليس ملكية خاصة ينفرد بها مخرج بحاجة إلى معرفة حدوده، ومن ثم ضرورة توزيع المهام والتخصصات على أصحابها، دون السطو على حقول الآخرين بادعاء الحضور الكلي والمعرفة الكلية.

لقد لعبت الأموال دورا كبيرا في إفقار السينما الجزائرية التي غدت مجرد تجارة، كما المسرحية التي تحتاج إلى تثقيف حقيقي يخرجها من ضحالتها التي تميزت بها في السنين الأخيرة، وإلى وعي بقيمة ما يكتب في البلد من نصوص بإمكانها اختراق الحدود اللسانية والإقليمية بالنظر إلى جهدها وقدراتها الفنية. هناك أيضا كتابات الموجة الجديدة التي حصدت جوائز كثيرة على المستويين الوطني والعربي، ليتم إغفالها في الجزائر لأنها جزائرية، أو لأن المعنيين قد يطالبون، ببساطة، بحقوق التأليف.

من لا يعرف ذاته لا يمكنه أن يعرف الآخر. الأفلام والمسرحيات الكبيرة لم تخل من المحلية المضيئة التي انطلقت من بيئتها، كالكتابات السردية التي غدت عالمية. لذا من الضروري إعادة النظر في فلسفة الصورة والكلمة، وفي الاقتباس الغامض، لأننا سنفقد، بهذه الممارسات المبنية على الأموال والعلاقات، أشياء كثيرة، ومن ذلك: الجمال، الذات، والاحترافية كجوهر من الجواهر الثابتة، وسنقزم المشاهد ونبعده عن السينما والمسرح.

أتصور أنه من المهم أن تخصص الهيئات المعنية نسبة من مشاريعها للمنجز الجزائري تكريما له، على تنوعه ومشاربه، لأن ما يكتب في البلد ليس أقل شأنا مما كتب خارجه، لولا تدخل عوامل ومعايير لا علاقة لها بمستوى الإبداع المحلي لأن له مؤهلات بتزكية أقلام نقدية مكرسة وطنيا وعربيا ودوليا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق