page contents
أقلام الوطن

مطرُ الذاكرةِ في الهديلِ الشجيِّ منْ فرحِ الطفولة

بقلم جمال فوغالي

أيتُها الطفولةُ التي كنتُها، حبِّي الأول، نبضُ القلب، رذاذُ الجوارح، تدافعُ الأضلاع، احتراقُ الحنايا، هذا الصهدُ الموجعُ يهطلُ هطولَهُ في أقصى الأقاصي منْ هذه الروحِ الصحراءِ التي يأكلها القيظُ الزمهرير، هذا الزمنُ المراوِغُ كذئبٍ جائعٍ محتال، ويا أيتها الطفولةُ ليسَ لي إلاَّ صدركِ الحاني، امنحيني قليلاً منَ الأمان، أمَّا كثيرُهُ فلا حاجة لي به”.

منْ كتابِي “دم الذاكرة”

مطرٌ سخيٌّ، بهيٌّ، حِنِّيٌّ، شهيٌّ… هذي قطراتهُ تنزَّلُ من سماءٍ قصية، منْ شرقٍ يذهبُ في الأقاصي البعيدة، إلى شرقِهِ المطلِّ على شمسِهِ الدافئة، وليسَ للروحِ الآنَ غيرُ مطرِ الذاكرة، من مطرِ هاتيكَ الطفولةِ الغابرة، وقدْ تناءتْ في هديلِ اليمام، ترفرفُ في أعالي البياضِ منْ فرحِ الروحِ إلى روحها، في استواءِ قوسِ قزح في يقينِ السماءِ منْ لغتي الشاهدة، لعلَّها تستسقيني، أوْ لعلَّني أرسلُ هدهدَ الشوقِ كيْ يجيءَ بها، والزليجُ ماء، وبلقيسُ/لغتي العاشقة في وهجِ الحضور والامتلاء منْ فيضِ هذا البهاء.

يتقافزُ النبضُ شوقاً سَمِيًّا عندَ المروجِ الخضْرِ في قريتي النائيةِ، هذا احمرارُ أعاليها في الدَّمِ الصَّفيِّ هتون، هاتيكَ الروابي، شجرُ الصنوبرِ المعرِّشُ ضاحكاً في الاخضرار، وأخضرهُ الآن في صدري، يستحِمُّ القلبُ بعطرهِ، ثغاءُ الخروف، هذا بياضهُ منْ بياضِ نتفِ الثلجِ في الشتاءاتِ الباردة، مندوفُ القطنِ في راحةِ يدي، وأنا أثغو ثغاءهُ، وقدْ أهدانيهِ جدي، إذ يجلسني على يسارهِ متحسِّسًا براءتي، والتي أدمنتها، ولمْ تفارقني، وأسمعُ النبضَ منْ نبضِهِ يمسِّدُ على قلبي فيستكينُ إلى خفقِهِ صبيًّا وديعاً، هذي البراءةُ هنا بالتجويفِ من الصَّدرِ حُبارى.

وكيفَ لها أنْ تحلِّقَ أوْ تطيرَ وقدْ هيَّأتْ عشَّها في الأعالي منَ الشغاف؟ والخروفُ الناعمُ الصوفِ على اليمين، وجدي يلاعبُ كلينا، والنبضُ الآنَ في الخَبَبِ خلفَ الخروف، يدورُ عندَ جذع الزيتونةِ ألمايزالُ اخضرارها مشعًّا ها هنا بالذاكرة (وجدي يحفِّظُني تحتَ ظلها العارفِ آي الذكرِ الحكيم)، أدورُ خلفَ الخروفِ ألْيدورُ وراءَ جذعها الناهض المتين، الممتد إلى اخضرارِ الأغصان المتعانقة، العاشقة، هذي قبلاتها ما تزالُ بالنبضِ صاهدة، والنبضُ يجري ويدور، ولم أسمعْ غيرَ صوتِ جدي، والماءُ يهمي فوقَ وجهي حنوناً دافئاً.

أدختُ من الدورانِ خلفَ الخروفِ الناعمِ الصوف، وقدْ فتحتُ عيني، وجدي يغمُرُني إليهِ مثلما سنابلِ القمحِ عندَ الحصادِ في الصباحاتِ النديةِ منْ أغاني الأصيافِ الصفية؟ أم أني طرتُ فطارتِ الروحُ عاشقةً للذي سيأتي بهِ النبضُ منَ الآلاءِ في أحلامي البهية؟ أجاءَ الذي في القلبِ مُذْ ذاك، والقلبُ اليتيمُ منْ نبضهِ لم يقدرْ عليهِ؟ وجدي يحتويني إلى صدرهِ المطلِّ على الجنة: هذي النمارق، الزرابيُّ، الحُليُّ، الذهبُ المشعُّ، السندسُ والإستبرق، الأرائك والسُّرُر، هذي الفاكهة، الرياحين، شجرُ السِّدْر، الحساسين، الأيائلُ في اخضرار المروج، الغزلانُ في تقافزها، الظلُّ الممدود، النخلُ والطلحُ منضود، الأعنابُ والعناقيدُ امتلاء، الحدائقُ الغُلْبُ والأبُّ، والماءُ يجري عذباً فراتاً، وأنا أجري والنبضُ يجري، والظلالُ ورائي تجري وأتركها تسبقني في الضياء، والفراشاتُ الشفيفة.

هذي محبتي تحميها ومنْ منَّا الهشُّ في هذي الهشاشة؟ صُبِّي يا النَّوْ صُبِّي هذا صوتي غناء والزرازيرُ وحداناً تحلِّقُ وزرافات، فرحي الذي يعانقني، هذي قبلاتهُ الحرَّى، إنِّي أراقصُهُ فيناغيني، يهمي الفرحُ على وجنتيَّ قرمزيًّا رقراقاً والمطرُ يتنزَّلُ قطْرةً قطرة مثلما حليب أمي في الأعالي منْ صدرها الخافقِ بأسماءِ اللهِ الحسنى، واسمُ أبي، آيتها الصادقة، حزنها العاتي في الجراحِ منَ القلبِ المكين، وتراني قائماً في امتداده، وتدعو لي، وكأنما تدعو لأبي في احمرار دمهِ النَّبَويّ، وكنتُ وحيدَها، وتشدني إليها شدًّا ناعماً ورقيقاً فتطيرُ الحنايا عصفوراً حرًّا طليقاً هذا صوتها الحاني موسيقى وتلمسُهُ الشغاف، فيهمي الدمعُ شوقاً واحتراقاً،هذا ملحُ الجمرة، شجني الذي ظلَّ يرافقني، حزنُ أمي وقدْ أحبني فأحببتهُ، رفيقي في رحلةِ النبضِ منَ الحياة منْ بدءِ الحياةِ في ميعتِها الأولى هذي الصَّبابة، جرحي الأمارةُ وانفتاحُهُ في الدَّليلِ منْ نزْفِ الدَّمِ، وأفاخرُني بهِ في رقصِ الخفقانِ منْ فيضِ الصدقِ الذي فيهِ والصفاء وهذي الضحكةُ لي وليسَ لي سواها، وقد تجلَّتْ في بياضِ علاها، سبحانَ الجرحِ الذي في الجراحِ الدفينةِ وقدْ جلاَّها، فألهما فتنتَها وسوَّاها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى