page contents
أقلام الوطن

معارك الحرية و معارك الهوية

الدكتور : مصطفى كيحل

   تكشف الصيرورات الاجتماعية و السياسية التي تعرفها الجزائر منذ عدة عقود ، عن تحديات معرفية و إيديولوجية لم يتم حسمها بعد ، و لا يمكن حسمها في الآجال القريبة و حتى المتوسطة ، فهي تحديات ترتبط ببنية الدولة والثقافة و المجتمع ، و من بين هذه التحديات جدل الحرية و الهوية ، أو تعارض مقتضيات الحرية مع مقومات الهوية ، أو بالأحرى معارك الهوية مقابل معارك الحرية ، حيث يبدو للوهلة الأولى أن كل تأصيل للحرية في الحياة الاجتماعية و الثقافية و السياسية يدفع نحو تأزيم الهوية ، و بالتالي تأزيم المجتمع ، و لذلك تكون الأولوية للهوية و ليس للحرية .

  و لقد ورثت مجتمعاتنا هذه الأزمة التي تمس علاقة الهوية بالحرية من حركات التحرر الوطني ، فهذه الحركات لم تؤسس لتصور فرداني للحرية و حقوق الانسان ، و بدل ذلك كان التركيز على حق الشعوب في تقرير مصيرها ، لأن الهدف الأسمى كان هو الدفاع عن الاستقلال الوطني و السيادة القومية ، و هذا ما جعل الحرية ترتبط في الوعي الجمعي بحركة التحرر من الهيمنة الخارجية ، و كان من نتائج ذلك ترسيخ الرؤية الأحادية و فشل مسار تصفية أثار الاستعمار و ترسيخ آليات الاستبداد .

  و تجلى ذلك في حرص الدولة الوطنية على تكريس الأحادية في كل شيء ، الأحادية في المقدس ، و الأحادية في السياسة و الأحادية في اللسان ، و الأحادية في التاريخ و ما يترتب على ذلك من أحادية في المعنى ، و عودة إشكالية الهوية إلى مجال التداول السياسي و الثقافي يتزامن مع تحصيل هذه المجتمعات لمزيد من الحريات و الحقوق ، و هذا ما نلمحه في المجال العربي ، ففي العقدين الآخرين طرحت قضايا الهوية بقوة من خلال الاستدعاء المنتظم و الإحياء الذي تشهده هذه المجتمعات  للمخزون اللغوي و الديني و الاثني ، و تزامن ذلك مع تراجع الإيديولوجيات الرسمية خاصة منها الايديولوجية القومية و هيمنة الحزب الواحد ، و كسب هذه  المجتمعات لمساحات جديدة من الحرية ، و هذا ما سهل على عديد الجماعات في المشرق و المغرب  الذهاب نحو تأسيس هويات مذهبية و سياسية بحجة التعددية الثقافية و الخصوصية اللغوية و التراثية .

و بسبب هذه التحولات طرحت إشكالية علاقة الحرية بالهوية ، و بدا أن الثقافة التي لم تحسم علاقتها العقلانية مع الهوية لا تحتمل مزيدا من  الحرية ، لأن هذه الدول تستند إلى صياغات و تصورات للهوية تتسم بكونها صياغات دوغمائية منغلقة و جاهزة ، تهدف إلى طمس الاختلافات و إخفاء التباينات للحفاظ على وحدة الجماعة و وحدة الكيان السياسي ، فهي تقارب الهوية و عناصرها من منظور ستاتيكي بعيد عن التاريخية و ما تقتضيه من انفتاح على المتعدد و المختلف ، فالهوية من منظورها هي حقيقة واقعية اكتمل تشكلها  و ليست ما يجري العمل على إنتاجه باستمرار ، و الغرض من مثل هذه الصياغات للهوية هو إضفاء الشرعية على السرديات المتخيلة لهذه الدول الفاقدة للشرعية الشعبية بسبب نزعات الاستبداد و الفردية ، و العاجزة عن ضمان الحياة الكريمة لمواطنيها ، و لذلك فهي – أي هذه الدول – تقدم نفسها على أنها الحافظة للثوابت الوطنية ، و لذلك فهي ترى أن الدولة الواحدة تتطلب دينا واحدا و لغة واحدة و وطنا واحدا و حاكما واحدا و برنامجا تربويا واحدا .. و هذا هو شأن الدولة اليعقوبية ففيها يتم عنوة إلحاق الهامش بالمركز و إدماج المختلف في المؤتلف و قولبة المتعدد في الموحد .

 و يغيب على الدولة الوطنية أن التحرر من الاستعمار الخارجي لا يكتمل إلا بالتأسيس للتصور الجماعي كما الفرداني للحرية ، و إن الدفاع عن حقوق الشعوب في تقرير مصيرها يجب أن يرافقه الدفاع عن حقوق الأفراد و الجماعات في استرجاع و ترقية هوياتها و إعادة إحياء عناصر تلك الهوية ، و كسر كل السياجات الهوياتية الصلبة المفروضة على الأفراد ، و أول شرط لتحقيق ذلك هو الحرية ، و تحرير الهوية بالخروج عن التصور القائم على التطابق و التماثل و الوحدة و الأصل و المساواة مع الذات ، إلى التصور الذي يتعاطى مع الهوية كواقعة فكرية ينبغي تفكيكها من خلال الاختلافات و التنوعات ، و النظر إليها من زاوية الصيرورة و التحول و التعدد .

 فما يمنح الهوية الدينامية اللازمة هي الحرية ، فالحرية و المعرفة هما المقومان الأساسيان للهوية ، و لا تناقض بين متطلبات التفكير الحر و مقتضيات الهوية ، فالهوية ليست إطارا يفرض على الانسان من الخارج بل هي ما يفكره ، و الهويات هي جملة التعريفات و التصورات التي نطلقها بكل حرية على الممارسات و الذوات و الوضعيات و المرجعيات و طرق الحياة و أنماط التفكير .

 و الخروج من معارك الهوية و هي معارك خطيرة و مهددة للوجود، لا يكون إلا من خلال المعرفة المستنيرة و التأويل الحر و الرؤية التاريخية المنفتحة، بمعنى أخر أن الطريق إلى تفادي معارك الهوية هو تفكيرها في أفق الحرية و إشاعة مزيد من الحريات الثقافية و السياسية .و التحول من الحرص على عدم ضياع الهوية إلى الحرص على عدم ضياع الحرية، لأن تكريس الحرية هو المدخل إلى صيانة الهوية و حمايتها .

  و حسم معارك الهوية و معارك الحرية عن طريق النقاش الحر و المسؤول بين الذوات الحرة ، أي الذوات التي تتمتع بالاستقلالية الذاتية في تفكيرها ، و تكريس ثقافة الاعتراف بكل العناصر المشكلة للهوية الوطنية و العمل على ترقيتها و تطويرها ، و الابتعاد عن منطق الانتماء الأصلاني مقابل الانتماء غير الأصلاني  ، كل ذلك يشكل المدخل للحفاظ على الجدار الوطني و تقويته ، و حفظ أمن و سلامة المجتمع من الفتن الإثنية و اللغوية و الثقافية على أن يتم كل ذلك تحت سلطة القانون و القانون فقط .

   و في الكثير من الحالات تتصدر معارك الحرية و معارك الهوية الأحداث و تعود بقوة إلى المشهد مع كل المنعطفات الكبرى التي يعرفها المجتمع ، و هذا ما حصل مع الحراك الشعبي في الجزائر منذ 22 فيفري 2019 ، حيث يمكن إن نلاحظ كيف أن الحراك سرعان ما سقط في معارك الهوية ، حيث استغلت كل الأطراف الحراك للتعبير عن رموزها الهوياتية ، و مع مرور الأسابيع و المسيرات كشف الحراك عن حروب رمزية و هوياتية بين الجزائريين بلغت أقصى درجات  العنف اللفظي و كادت أن تنزلق نحو العنف المادي و التشنج و التخوين و التخوين المضاد  و الإقصاء و الإقصاء المضاد و كان ذلك على حساب انجاز التغيير المنشود و القطع مع النظام الفردي الشمولي الفاسد و المفسد .

  و تؤشر معارك الحرية و معارك الهوية على عدم كفاية الرؤية السياسية للدولة الأمة الحديثة ، و عدم قدرة  هذا النموذج السياسي على حسم المشكلات الحيوية للثقافة و المجتمع بالرؤية الأحادية ، و الحل هو ضرورة الذهاب إلى ثقافة الاعتراف بالتعدد الثقافي و اللغوي و الاثني ، و حق كل جماعة ثقافية في التعبير عن هويتها و حماية تلك الهوية و الدفاع عنها و ترقيتها ، لأن التعدد هو  المعيار الذي يقاس به المجتمع العادل .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق