page contents
أخبار الجزائرأخبار الوسطالمحلي

معتقلُ “بوقندورة” بالأربعاء.. هُنا استشهِدَ العَربي بن مهيدِي!

تحفةٌ مِعماريّة نادرةٌ شاهدةٌ على جرائمِ فرنسا الاستعماريّة

  • فنٌ هندسِيّ من النّمطِ الإسلامِي الأندَلُسي
  • منَ دخلَ معتقلَ “بوقندورة” لم يكنْ آمِنًا
  • اعترافاتُ لمجرمينَ فِرنسيين
  • شهاداتُ سكّانِ المنطقَة.. حتّى لا نَنسى!

البليدة – ما تزالُ الشّواهدُ التّاريخيةُ تُحاكي قصصًا وحكاياتٍ عن جَرائم فِرنسا الاستعماريّةِ؛ جرائمٌ بقِيت وصمةَ عارٍ في جَبينِها رغم النُّكران. معتقلُ “بوقندورة” واحدٌ من هذه الشَّواهدِ التي تَحكِي قصصًا مُؤلمةً وحكاياتٍ عن التَّعذيبِ والتّقتيلِ، في واحدٍ من أبشعِ مَراكز التّعذيبِ الاستعماريّة، وهو المكانُ الذِّي استُشهدَ فِيه البطلُ العَربي بن مْهِيدي.

ــــــــــــــــــــ إعداد: عبد الناصر حمودة ــــــــــــــــ

معتقل بوقندورة الذي يقع ببلدية الاربعاء الواقعة الى شرق عاصمة ولاية البليدة، يعد من اهم الشواهد التاريخية على جرائم الاستعمار الفرنسي في حق الشعب الجزائري ابان الثورة التحريرية، من خلال التعذيب والجرائم التي ارتكبت بين أسواره وغرفه المظلمة، صرخات الشهداء الذين ماتوا تحت التعذيب وبكاء النساء الشريفات اللائي دنست أعراضهن على يد أمثال ” شارلو ” والعقيد انطون ارغود الجلاد الذي أراد نقل الرعب والخوف في نفوس أهالي المنطقة بأسلوبه في التعذيب والتقتيل ورمي جثث الشهداء بالساحات العمومية، حيث جعل قصر بوقندورة غرفة عملياته الإجرامية في حق الإنسانية.

تاريخُ قصرِ مَزرعة “بوقندورة”

يعود تاريخ قصر بوقندورة بمدينة الأربعاء إلى العهد العثماني، ويعد تحفة رائعة ونادرة من الجانب الهندسي ذو النمط الإسلامي الأندلسي، تصميمه يشبه الى حد بعيد البريد المركزي أو متحف بارادو بمدينة حيدرة، اتخذه الاستعمار الفرنسي مقرا لفيلقه الثالث مطاردة افريقي ” RCA ” مدة فاقت الأربعة عشر شهرا، بين 29 نوفمبر 1956 و01 ديسمبر 1957، وكان مجال عملياتها يمتد على قطاع واسع ومترامي الأطراف يضم منطقة حمام ملوان وبوقرة والأربعاء وتابلاط ومفتاح على مساحة تقارب الـ 700 كيلومتر مربع، كما تم طلاء آليات ومدرعات الفيلق قبل أن تقلع إلى الميناء وتشحن بهدف المشاركة في العدوان الثلاثي على مصر بمزرعة بوقندورة قبل أن تصل أنباء نهاية العدوان مخيبة للعقيد ارغود عندما كان مبحرا قبالة مدينة عنابة.

العَقيد “أنطوان أرغود” جلّادُ مزرعةِ “بوقندورة”

ارتبط اسم العقيد الفرنسي السابق انطون ارغود ” Antoine Argoud” بذاكرة الأقلية الأوروبية ومنظمات الأقدام السوداء كونه احد ابرز الضباط الفرنسيين القلائل الذين دافعوا بشراسة الى الدقائق الأخيرة عن أطروحة “الجزائر فرنسية”، مستعملا كل الأساليب الإجرامية ومعارضا لفكرة محاكمة الأسرى ويرفض معاملتهم حسب ما ينص عليه القانون الدولي مبررا ذلك بقوله “في الوقت الذي يطبق المتمردون الحرب الشاملة كان على الجيش الفرنسي، بعد الاشتباك، أن يدلوا بأقوالهم أمام قاضي التحقيق بينما يعطى الارهابيون المسلحون الموقوفون لباسا مدنيا ويسلمون إلى العدالة وينجون بعقوبات السجن”.

وكان يردد “يجب تنفيذ الإعدام في مكان تنفيذ الجريمة ويأمر عساكره بقتل كل من يجدوه هناك”، وبرأي ارغود يجب تنفيذ الإعدام فورا وقد فعل ذلك في غالب الأحيان مع الأسرى الذين وقعوا في قبضته واقرب مثالا إعدام الشهيد “رابح بوركاشي” المدعو “المانكو” في صبيحة عيد الفطر من يوم 14 ماي 1957 بعدما عذبه على مدى اسبوع كامل دون أن يفتك منه شيئا، جمع الناس قرب قصر بوقندورة ونفذ فيه الإعدام رميا بالرصاص إرهابا للشعب وتخويفهم.

الجِنرال “بول أوساريس” والعقيدُ “أرغود” صورةٌ طبقَ الأصلِ

الواقع الذي يجمع الجنرال بول اوساريس جلاد الشهيد العربي بن مهيدي والعقيد ارغود جلاد مزرعة بوقندورة، التلذذ بذكر الجرائم، والحقيقة أن الاعترافات الإجرامية التي أدلى بها السفاح بول اوساريس لا تمثل إلا القليل مما ارتكب في معتقل بوقندورة الذي حوّل إلى وكر للإجرام والعبودية والاغتيال وانتهاك الحرمات، ومركز يفوق مزرعة ” امزيان ” و” فلة ” سوزوني ” أو ” حوش أشو” ومركز التعذيب الأخرى عبر التراب الوطني مما جعل من عايشوا فترة الثورة يقولون عنه “انه مركز تعذيب مرعب وقلة أولئك الذين خرجوا منه أحياء ” ولا تزال أدوات الجريمة شاهدة على همجيتهم ومنها غرفة تحت سلالم القصر وخم الدجاج الذي كان يدفع إليه المعذبون لتنقر جراحهم وهم في حالة إنهاك شديد.

تصريحُ “بول أوساريس”: أعدمتُ بن مهيدي بمَزرعةٍ تقعُ نحوَ 20 كلم جنوبَي العاصِمة

من خلال تصريح السفاح الجنرال بول اوساريس الذي حدد بالتقريب مكان المعتقل الذي نفذ فيه حكم الإعدام في حق الشهيد العربي بن مهيدي قائلا “أعدمت بن مهيدي بمزرعة على بعد أكثر من 20 كلم جنوب العاصمة”، هذا يدل أن المزرعة التي تم الاشارة اليها دون ذكر اسمها من قبل اوساريس او العقيد ارغود في كتابيهما، تعد مزرعة بوقندورة التي تقع باقليم ولاية البليدة وبالضبط ببلدية الاربعاء المعروفة سابقا بـ” الاربعاء بني موسى ” التي تقع الى جنوب الجزائر العاصمة على مسافة حوالي 25 كيلومترا، هذا ما يرجحها وبشكل كبير ان تكون المكان الذي تحدث عنه الجلاد اوساريس، خاصة ان مزرعة بوقندورة كانت بمثابة المعتقل المخيف والمرعب لدى سكان المنطقة، من خلال أساليب التعذيب والتقتيل التي كانت تمارس فيه، حيث شهدت ساحة المزرعة إعدامات يومية للمعتقلين، بعضهم معروف بالمنطقة وآخرون جيء بهم من جميع مناطق القطاع الشاسع الذي يقع تحت مسؤولية ارغود، بل ان أشخاصا اخرين جيئ بهم من العاصمة والحراش وعين طاية واعدموا بمحاذاة المزرعة، على غرار وادي “صنصالة والمولحني “.

أرشيفُ سِجلّ الوفيات يحوِي قائمةً طويلةً تحت اسمِ (Inconnu)

و بالعودة الى ارشيف الحالة المدنية لبلدية الأربعاء وإلقاء نظرة بين تاريخي 29 نوفمبر 1956 و01 ديسمبر 1957 تظهر للباحث قائمة طويلة جدا من الوفيات المسجلة تحت عنوان ” مجهول ” اعلن عنهم في غالب الأحيان الدركي ” ازناردانندري ” او ” ديزليون روبير ” او ” ديديارموند ” او ” باربيار اوغست “، والغريب في الامر ان كل من العقيد ارغود والعقيد روجي باربورو الذي سبقه الى مزرعة بوقندورة تكتما على ذكرها في كتابهما رغم انهما امضيا وقتا طويلا بين جدرانها، بينما تبقى دوافعهما في اخفائها وتجاهلها معروفة ومفهومة، بعدما ارتكبوا جرائم شنيعة في حق الشعب الجزائري، وما لم يذكره جلاد بوقندورة مسؤوليته المباشرة في اعدام سبعة من لاعبي الوداد الرياضي لبلدية ريفي ” مفتاح حاليا ” بتاريخ 30 سبتمبر 1957 وهم ” تيراك بوعلام وتيراك الوناس، وتامورت الميلود، وعربية عكاشة، وسعودي عبد القادر، وسنوسي محمد، ورقاد رشيد” هؤلاء كانوا بمزرعة بوقندورة في الخيمة رقم 02 وبعد إعدامهم سجلوا في دفتر الوفيات من قبل الدركي ” ديزور روجي ” على اساس أنهم قتلوا في حوش الشاوش بالأربعاء بغية إخفاء آثار الجريمة وعدم ذكر معتقل بوقندورة.

الشّهيدُ علي بومنجل أعدمَهُ “أوساريس” أيضًا!

السفاح بول اوساريس جلاد الشهيد العربي بن مهيدي، قال في مذكرته ” ان قلة من السجناء الذين كنا نسألهم ونحقق معهم في الليل يبقون على قيد الحياة في غداة ذلك الليل ” حيث اعدم الشهيد علي بومنجل المحامي الذي كان مناضلا ويلعب دورا هاما جدا بحزب جبهة التحرير، من خلال اتصالاته الواسعة والمستمرة مع الحكومات الخارجية، حيث كان بمثابة وزير الخارجية على حد قول السفاح اوساريس ما حتم عليه اعدامه والتخلص منه نهائيا، ونزولا عند مبدأ ” تصفية كل مثقف او مسؤول من المحتمل التفاوض معه ذات يوم ” هذه القاعدة انطبقت على العربي بن المهيدي والمحامي علي بومنجل الذي عذب عذابا رهيبا قبل قتله على يد الجلاد اوساريس وزبانيته بعمارة في الأبيار، ورميت جثته هامدة من الطابق السادس للايهام الرأي العام بحادث الانتحار المزعوم خاصة وأنهم قبل إعدامه أدخلوه غلى مستشفى أمراض العقلية الذي أقام فيه 20 يوما بعد اصابته بانهيار عصبي من شدة التعذيب وللتستر على جريمة القتل بالتعذيب خارج العدالة لم يسلم جثمان الشهيد الى عائلته واكتفى الجلادون باشراكها في مراسيم الدفن بمقبرة سيدي امحمد تحت الرقابة المشددة، الشهيد علي بومنجل الذي دخل مدينة الاربعاء وسنه 4 سنوات، درس وترعرع فيها الى غاية تخرجه، وبعد الاستقلال اطلق على الابتدائية التي كان يدرس فيها ودرس فيها والده واخته، اسم ” ابتدائية الشهيد علي بومنجل “.

 

دحمان تواتي باحثٌ في التّاريخ قامَ بدراسةٍ حول مُعتقل “بوقندورة” وجلادِه

اكد الاستاذ والباحث في التاريخ دحمان تواتي ان من اهم مراكز القيادة العسكرية الاستعمارية الموجودة جنوب الجزائر العاصمة هي ” مزرعة بوقندورة ” التي كان يشرف عليها العقيد ” انطوان ارغود ” الذي يعد من اكثر الضباط الفرنسيين تعصبا واثقلهم جرائم في حق الشعب الجزائري، بل انه اسؤهم ارهابا، وعن الاعترافات الاجرامية التي ادلى بها السفاح ” بول اوساريس ” وما كتبه في مذكراته حول مقتل البطل الرمز الشهيد العربي بن مهيدي، حيث ذكر بانه قام باعدام الشهيد العربي بن المهيدي شخصيا خنقا بيديه الى الموت في مزرعة تقع جنوب الجزائر العاصمة بـ 20 كلم، وهو ماينطبق الى حد كبير على مزرعة بوقندورة.

مُجاهدو المنطقَة: معتقلُ “بوقندورة” مركزُ تعذيبٍ مُرعبٌ لن نَنساه ماحَيِنا!

اكد بعض مجاهدي مدينة الاربعاء في لقائهم بأخبار الوطن ان معتقل بوقندورة كان وكرا للاجرام والعبودية والاغتيال وانتهاك الحرمات، وقلة اولئك الذين خرجوا منه احياءا، حيث كان كل جزائري يدخله يكون مصيره الاعدام، اما بداخل المعتقل او ينقل الى الساحة العمومية ويرمى بالرصاص امام اعين الشعب من اجل ترهيبهم، كما اكدوا ان صورة العقيد ارغود وحثالته امثال “شارلو ” البناء الاسباني والحركي ” جلول ” اسوء نماذج بشرية عرفتها مزرعة بوقندورة التي ستبقى راسخة في ذاكرتهم ما دام أنهم لايزالون على قيد الحياة.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق