page contents
أقلام الوطنبزنس

معركة تأمين الأمن الطاقوي

في الذكرى الخمسين لـ"تأميم المحروقات" - العتبة الأولى

اليوم، يتعين علينا الحسم في خياراتنا المستقبلية، فلا يليق بنا الانشغال بـ”الوهم” والاشتغال به وبالتعاطي معه، وكثيرة هي الأوهام التي تسوّق لنا، ويجري إغراء وعينا بها..

أوهام تتمسح بمسوح العلم، بينما هي ترفل في أثواب الخديعة، هنا لا يجوز لنا “غض البصر” عنها، لأن قلوب “النخبة” ستنشغل بها،  بل أجد من “المنكر” غض البصر عنها،  ينبغي أن تنفتح الأعين فيها حتى تنطفئ وتتلاشى، والبحلقة فيها بصرامة حتى لا تتسرب كدبيب النمل في منظومتنا، وتعصف بفجورها بمقومات أمننا الطاقوي، نسأل الله الكريم أن لا يقدِّر علينا سوءاً!

  1. بعد محطة 1971. . منظور عام 2071

في منتصف الطريق سيرا نحو العام 2071، وعند سنة 2046 سنجد بأن الوقود الأحفوري لا يزال مسيطرا على مشهد الطاقة العالمي. النفط والغاز اللذان يسيطران حاليا على 54 في المائة (54%) من إجمالي الاستهلاك العالمي من الطاقة سوف لن يفقدا سوى نقطة واحدة على السلم المئوي بحلول سنة 2046، هذه النقطة التي ستذهب لصالح الطاقة النووية، وبها سترتقي في السلم نقطة مئوية واحدة.

بينما الفحم الذي يوجد حاليا في المرتبة الثانية ضمن تسلسل الطلب على الموارد الطاقوية متقدما حاليا عن الغاز الطبيعي بأربعة (4) نقاط مئوية، سوف يتراجع بسبع نقاط (7) نحو المركز الثالث، ليبقى يساهم بـ (20%) أي بخمس الاستهلاك العالمي من الطاقة. النقاط السبعة هذه التي سيفقدها الفحم عالميا سوف تؤول إلى منظومة الطاقة المتجددة الحديثة، والتي ستصبح تمثل (10%) بحلول العام 2046، أي أنه رغم كل الخطابات الصاخبة والطاغية حول النزوح سِراعاً نحو “الطاقة الخضراء” فإنها ستبقى تمثل نصف الإمدادات الطاقوية التي يضمنها الفحم عالميا. بينما سنجد أن الطاقة المتجددة التقليدية (طاقة الكتلة الحيوية التقليدية) تبقى تساهم بثمانية في المائة (8%)، كما تبقى الطاقة الكهرومائية تمثل (3%).

في المحصلة، نجد أن منظومة الطاقة المتجددة والمُشتملة على (الطاقة المتجددة الحديثة وطاقة الكتلة الحيوية التقليدية والطاقة الكهرومائية) التي تمثل حاليا ما نسبته (14%) ستنتزع سبعة نقاط مئوية من الفحم لترتقي فوقه بدرجة مئوية واحدة، لتصبح تمثل (21%).

اليوم، في خضم حرب الاستهداف التي يتعرض لها الثنائي (النفط والغاز) ندرك أن المعركة الحقيقية هي تلك المسكوت عنها هي “معركة البطش بالفحم والتقليل من سطوته وحضوته”، وهي معركة مسكوت عنها ويجري إغفالها في الخطابات والمرافعات، لأنها ببساطة تخدش حياء الكبار (ألمانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، أستراليا، الصين، الهند،. ..) الغارقين في الوحل الأسود للفحم، لكنهم يستلذون التجارة به.

  1. الانتقال الطاقوي. . والحديث والمُغيِّب

اليوم، يجري تحول متسارع في المشهد الطاقوي العالمي يطبعه الانتقال من “التمحور حول المكامن الطاقوية التقليدية” إلى “استغلال المكامن غير التقليدية”. هذا الانتقال الطاقوي الذي نعتبره انتقالاً داخل منظومة الوقود الأحفوري، عبر الانتقال من المحروقات التقليدية إلى المحروقات غير التقليدية، فقط لإدراك حقيقة الأمر يمكننا الرجوع إلى “مثلث الموارد” لحقول النفط والغاز الذي اقترحه الباحثان “ماسترز” و”جراي” (Masters and Gray) لندرك جيدا وبعمق، من خلال التوزيع اللوغاريتمي لموارد النفط والغاز الشائعة التي يبرزها هذا المثلث، بأن مجموع الموارد الطاقوية غير التقليدية من نفط وغاز هي أكبر بكثير من التقليدية، فهي ستمثل مستقبلا (80% من إجمالي موارد العالم الطاقوية)، وبذلك سنتخطى الأفق الزمني لسنة 2071.

  1. فوبيا “هولوكوست المحروقات”. . والهولوكوست الجديد : من معاداة السامية إلى التجريم المناخي للنفط والغاز

في الفترة السابقة، صُنِّفَت الدول (مارقة أو شريكة) على أساس إمكانية تهديد “دول الهامش” للأمن القومي لدول الهيمنة “دول المركز”، لذلك كانت تهمة الإرهاب جاهزة لوصم كلّ كيّان بها، ممن تسول له نفسه الاندفاع لولوج دائرة القمار للكبار. فسلاح النفط الذي استرجع من خلال “التأميم” وأستخدم في معارك التنمية وردع العدوان على كينونة الأمة اعتبر “سلاح إرهاب” منذ سبعينيات القرن الماضي، لذلك جرى التخطيط لتدمير سلاح النفط هذا في أيدي من يمتلكونه.

ألم يُعبِّر عن ذلك ”هينري كيسنجر“ لمّا كان وزيرا للخارجية الأمريكية بقوله، بكل صلف وعنجهية، أنه لم يسبق لأمم ضعيفة من الناحية العسكرية أن تمكّنت من “فرض هذه السيطرة والشدة على النظام الدولي” واعتبر استخدام “ورقة النفط” من قبل الدول العربية كوسيلة للضغط وللتعبير عن موقفها سابقة خطيرة جدا هي الأولى من نوعها في التاريخ المعاصر، بل هو تهديد علني للأمن القومي الأمريكي نتيجة لتعطل امدادات النفط على الولايات المتحدة الأمريكية بسبب سياستها الداعمة للكيان الصهيوني؟! لنتذك، ألم تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية اجتياح العراق لجارته الكويت هو تهديد واضح للمصالح الأمريكية؟

لكننا، اليوم، أمام توالد لموقف متطرف تجاه كلّ الدول المنتجة للنفط، ويجري التحضير للأطر (المنظوماتية، والسياسية، والتشريعية، والفكرية، والتكنولوجية، ﻭاﻻﻗﺘـﺼﺎدﻳﺔ البديلة) لتوجيه التهمة ونصب المشانق؛ اشنقوا آخر برميل بالأمعاء الخاوية لآخر عربي ! ألم يُعنْون الروائي الجزائري واسيني الأعرج روايته 2084 “حكاية العربي الأخير” ؟!

الآن، يجري حثيثاً الإعداد للانتقال من حكاية “الإرهاب الإسلامي” إلى محرقة “إرهاب التغيّر المناخي”،  بدءًا بتسفيه رأي كلّ مخالف لـ “الدوغمائية المناخية”، ثم تجريم كلّ مخالف للطروحات المنبثقة من مملكة الأنوار “المركزية الأوروبية”،  وصولا إلى تجريم الدول المنتجة للنفط والغاز، ليجري ربط العلاقات الدولية على أساسا “النظرية الخضراء” التي تستدعي التعاطي في العلاقات بين الدول وفقا لاحترام “الحقوق المناخية” كتمظهر لـ”الحق في الحياة”، ووفقاً لذلك يجري ربط التجارة العالمية والإعانات والقروض وخطوط الإمدادات والتحفيزات والعقوبات الاقتصادية، بل والتجذر في هذا الربط أكثر مما هو قائم بشأن “تجريم الإرهاب” بمفهومه الأممي الساري حاليا، وبذلك ستقوم منظومة جديدة بديلة يجري على أساسها تصنيف الدول في العالم، والتعامل معها ومكافأتها أو معاقبتها، بناءً على معايير بيئية. .!!

  1. خديعة “الحياد الكربوني”

اليوم، تتعالى أصوات خطابات “الحياد الكربوني” ويتصاعد الترويج لخطط جاهزة له، يجري استنباتها وتنفيذها بين عشيّة وضحاها، تنبت كمثل فقاعات في عديد أنحاء العالم!

لكن دعونا نفهم المصطلح عبر مضامينه الحقيقية، ليتبين لنا بعد ذلك أن الدخان الأسود يجري حجبه عناّ فقط، بينما نحن نرفل منتشين في محافل “الفلكلور”!

إن “الحياد الكربوني” لا يعني البتة إلغاء «الانبعاثات السامة والضارة» إنما يعني «تصفير» آثرها، بمعنى أن “الانبعاثات” ينبغي أن تقابلها إجراءات مثل زراعة الأشجار لتمتص غاز ثاني أكسيد الكربون «CO2» المنبعث،  بمعنى بسيط وسهل ميسور، هو أن المنتمين إلى دول الهيمنة “دول المركز” سيواصلون “التلويث”، بينما سيتم تجفيف مغذيات التنمية عندنا، وفي المقابل سيزرعون «شجرة» عندنا، ليستظل تحتها كلّ فرد منا خاوي الأمعاء!

ولتكريس هذا المنظور، كتب أحد المنظرين الأمريكيين، خلال فترة التنافس الانتخابي حول الرئاسة بين “باراك أوباما” و”هيلاري كلينتون”، يقول: ”إن الفكر الجديد الأخضر لديه القدرة على حشد الليبراليين والمحافظين، والإنجيليين والمؤمنين والملحدين، والأعمال التجارية الكبيرة والمشاريع البيئية حول خطة يمكن أن تدفعنا، على حدّ سواء، إلى الأمام. هذا هو السبب في أن أقول: نحن لا نحتاج فقط أول رئيس أسود، نحن في حاجة إلى أول رئيس أخضر. نحن لا نحتاج أول رئيسة، نحن في حاجة فقط إلى أول رئيس بيئي“. . هذا ما يحتاجون إليه، نعم هذا ما يحتاجون إليه فقط، وهكذا تحكم “إرادات الهيمنة” قبضتها على مواردنا ومستقبلنا. .

  1. إيديولوجية «العدالة في التلويث» مقابل “العدالة المناخية”

لقد اصطبغت مطالب الداعين إلى “العدالة المناخية” بتحريف خطير! لأن مطلب ”العدالة المناخية“ كان يستهدف، في بدايات التأسيس للفكرة والفلسفة والمنظور، حمل الدول الملوّثة لتحّمل مسؤولياتها التاريخية أساساً والالتزام الجماعي من قبلها للحد من مسببات “ظاهرة الدفيئة الكوكبية”، الذي تسبب فيه الانبعاثات المتأتي قرابة الثلث منها من حرق الفحم.

لكن مع تحوّل المفهوم، حدثت تشوهات عضوية له ليؤول إلى ”مفهوم عكسي“ يهدف إلى إعطاء شرعية لفرض عدالة تضمن توزيع هذه الانبعاث على جميع الناس وتقاسم اعتلالاتها الخطيرة حتى مع البيئات الصحية في عمق الواحات في الصحراء أو في أدغال إفريقيا. مع الوقت، طغى مفهوم “الحق في التلويث” وما فاض عن الحدّ من غازات ثاني أكسيد الكربون “السقف المسموح به” يمكن تبادله عبر السوق الدولية لـ”سوق الكربون”.

وقد أصبح لهذا الفكر السوقي منظرون له، والذي يُسَلِّع الإنسان كبضاعة، حيث نجد على سبيل المثال لا الحصر، الاقتصادي الأميركي “لورانس هنري سامرز” (Lawrence Summers)‏ المولود بتاريخ 30 نوفمبر 1954، الذي يوصف بأنه مهندس أطول انتعاش اقتصادي بتاريخ أميركا، والذي شغل منصب نائب رئيس اقتصاديات التنمية وكبير الاقتصاديين في البنك الدولي (1991-1993)، ثم أحد كبار موظفي وزارة الخزانة في إدارة “بيل كلينتون”، وبعد ذلك وزيرا للخزانة (1999-2001)، ليشغل بعد ذلك منصب رئيس جامعة هارفرد (2001-2006).

هذه الشخصية التي توصف بالمرموقة جدا، كان قد أعدّ ورقة داخلية (سنة 1991)، وكان من نتائج تسربها إلى الصحافة أن دفعته إلى الاستقالة من البنك الدولي. ومما جاء في هذه الورقة المنهجية التنظيرية المؤسساتية الدولية أن “الدول الإفريقية ذات الكثافة السكانية المنخفضة تعرف مستوى متدنيا من التلوث، فنوعية الهواء في هذه المناطق ذات جودة عالية، لكنها بلا جدوى مقارنة بـ “لوس أنجلس” و”مكسيكو”.

لذا، يجب تشجيع هجرة مكثفة للصناعات الملوثة نحو الدول الأقل تقدما (ترحيل التلوث). وإعطاء المزيد من الاهتمام للعنصر المعرض لمخاطر الإصابة بسرطان البروستاتا في بلد يعمر فيه الناس بما يكفي لجعلهم عرضة للإصابة بهذا المرض، عوض بلد آخر حيث نجد مائتي طفل من بين كل ألف يموتون قبل بلوغ سن الخامسة.

وبحساب تكلفة التلوث الخطير على الصحة (في البلدان الغنية المتطورة) تعتمد على الأرباح التي تمتصها زيادة معدلات الاعتلال والوفيات، علينا أن ندرك أنه لا بد من وجود جرعة من التلوث في الدول حيث التكلفة جدّ منخفضة (يقصد دول الجنوب)، أي حيث تكون الأجور متدنية.

أعتقد أنه لا يمكن تفادي المنطق الاقتصادي الذي يسعى إلى إفراغ كتل من النفايات السامة في المناطق حيث الأجور ذات مستويات جدّ متدنية ” ؛ نعم هذا هو المنطق لدى رجل يفترض فيه الاستقامة العلمية، فقد ترأس جامعة هارفرد، لكن يا للأسى، أسى الإنسانية جمعاء، إنه يتحدث بمنطق التكلفة لا غير، فالأرواح البشرية ينظر إليها بمنطق سلعة مادية لها كلفة وفقط!

مع العلم بأن هذا المفهوم المبتذل لـ”ترحيل الكربون عبر تبادل الحصص والمتاجرة فيها”،  والذي يمتهن كرامة الإنسان ويستبيح القيّم الإنسانية، وأولها الحق في الحياة، عارضه العديد من المفكرين الجذريين والنشطين البيئيين العضويين والهيئات الدولية، كما برزت حركات قوية، كحركة “الإيكولوجية الجذرية” التي ندّدت بامتهان سوق الكربون للقيمة الأخلاقية، وإعطاء الشرعية لذلك من خلال التنصيص على تبادل حصص الكربون.

لكن، هذا ما سيجري إلهاؤنا به عن معاركة التنمية الأكيدة لدينا والجوهرية في فضاءاتنا الوطنية، من خلال خطابات “ما بعد كيوتو” والخطط البديلة لحصص الكربون والتي سيُعاد إلباسها قبعة “الحياد الكربوني”.

من الاستيلاء على منابع الطاقة إلى الاستحواذ على العقول، حيث منابع الطاقة المتجددة، إنه إرهاب شلّ القدرات والتزهيد في الموارد الثمينة التي بين أيدينا.  هذه هي روح معركة تأميم المحروقات المستمرة عبر خوض معارك تأمين الأمن الطاقوي لبلدنا إلى ما بعد آفاق 2071، فنحن أمة وجدت لتبقى ولتكون رائدة.

هذا ما سنتناوله في الجزء الثاني، لاحقا بإذن الله، في العتبة الثانية.

بقلم : د. مهماه بوزيان – باحث وخبير في الشأن الطاقوي والاستشراف الاقتصادي

[email protected]

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى