page contents
أقلام الوطن

من السياسة إلى العلم.. الشعبويّة تؤذي العالم!

بقلم د. حسينة بوشيخ

لا شك في أنّ كل من يُقارب أمور الحياة بنظرةٍ نقدية، قد لاحظ في العقدين الأخيرين الصعود المتواصل والمتسارع للرداءة والانحطاط، وتراجع القيّم والجودة في كل المجالات، فما يحدث ليس ملاحظات فردية أو قلقا شخصيا، بل إنّه يكاد يصبح نظاما عالميا أو هو بالفعل كذلك، على حدّ قول صاحب كتاب “نظام التّفاهة” الفيلسوف وأستاذ العلوم السياسية بجامعة كيبك، الكندي “آلان دونو”.

الشعبوية في السياسة والحكم

يدور كتاب “نظام التّفاهة” حول فكرة مهمة تُنبِّه العالم إلى عيشه مرحلة تاريخية غير مسبوقة، تتعلّق “بسيادة نظام أدّى، تدريجيا، إلى سيطرة التّافهين على جميع مفاصل نظام الدولة الحديثة”. وهو تغيرٌ أدّى إلى صعودٍ يصفه الكاتب “بالغريب” لقواعدٍ تتّسم بالرداءة والانحطاط المعياريين، فتدهورت بذلك مُتطلّبات الجودة العالية وغُيّب الأداء الرفيع وهُمّشت منظومات القيّم وبرزت الأذواق المنحطة. وقد مكّن هذا الوضع الشاذ عمّا كان سائدا من قبل، من تسيّد شريحة كاملة من التّافهين والجاهلين وذوي البساطة الفكرية على حد قوله وكل ذلك، هدفُه خدمة أغراض السوق، تحت شعارات الديمقراطية والشعبوية والحرية الفردية والخيار الشخصي.

فقد أصيب العالم بالذهول مطلع هذا العام، وهو يتفرّج على اقتحام قاعات مبنى “الكابتول” حيث مجلس الشيوخ الأمريكي “الكونغرس”. لقد بدت تلك المشاهد التي أغرقت شاشات التلفزيون والهواتف الذكيّة، وكأنّها آخر حلقات مسلسل عهدةٍ من الشعبوية، كان بطلها الجمهوري “دونالد ترامب”، لكن درامية الأحداث وصدمتها للأمريكيين كانت أكبر من خيال مخرجي هوليود، لأنّها كانت واقعا صنعه أنصار الرئيس الذي رفض تصديق الهزيمة.

لم يكن صعود ترامب لحكم الولايات المتحدة أمرا هيّنا على النّصف الآخر من الأمريكيين الذين لم ينتخبوه، كما لم يكن هيّنا على شعوب دول كثيرة، طالها أذاه، لكنّه كان دون شك مؤشرا عن مرحلة جديدة من انقلاب الموازين والمعايير بلغها عالمنا، مرحلة صعود الشعبوية واعتلائها المنابر، بدء من حركات اليمين المتطرف في أوروبا ووصولا إلى اكتساح عالم السياسة والإعلام والتعليم.

في القرن الواحد والعشرين، حيث الثورة الاتصالية الخامسة والتّطور التقني الكبير، لم تعد الشعبوية مجرّد ثورة على نظام النخب الحاكم المتسلط على رِقاب الطبقات الأضعف، ولم تعد قيّم الفلاحين المطعّٓمة بمثالية اشتراكية القرن التاسع عشر، هي المحرّك لتلك الجموع المتطلّعة نحو الحقوق أو المساواة، بل إنّها ترتبط اليوم بتعويم القيّم واستسهال النّجاح والعمل لتبوء المناصب المهمة، لأنّ التافهين يدعمون بعضهم، فيسْنِد كلٌ منهم الآخر، ليصلوا إلى السلطة مع كبر جماعاتهم.

فالشعبوية مصطلح تشير الدراسات العلمية إلى ظهوره في روسيا القيصرية، حينما سعت حركة ” النارودكس” الاشتراكية إلى جعل الفلاحين يثورون ضد القيصر، ثم سرعان ما ظهر المصطلح في الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق حركة أسّستها جماعة من المزارعين والنقابيين، كان هدفها آنذاك تعديل القوانين لفائدة المواطنين البسطاء وطبقة العمال الكادحين والمهمّشين. وخلال القرن العشرين استمرت الحركات الشعبوية في الظهور والتواري في أوروبا وفي الأميركتين، لاسيما أمريكا الجنوبية.

ترامب.. المظهر الصارخ للشعبوية

لكن، ألا تبدو مطالب الحركات الشعبوية مُنسجمة مع حقوق الطبقات الضعيفة، كالحق في العيش بكرامة كما تنص القوانين والدساتير الوطنية في كل بلد ؟ أو بالأحرى ما هو نوع الشعبوية الذي يصبح خطرا محدقا بالعالم عندما يمتد ويطغى ؟

لقد شكّل انتخاب دونالد ترامب عام 2016 بالنسبة إلى معارضيه صدمة مدويّة لم ينفك يعزّزها هو شخصيا بقراراته وتصريحاته المستفزة لخصومه، وادعائه انتهاج أسلوبٍ أكثر شفافية في إدارة مختلف ملفات الحكم الداخلية والخارجية، ومراعاته إرضاء كتلة الناخبين الكبيرة التي صوّتت لصالحه بغض النّظر عن أي شيء آخر، فالشعبوية في السياسة تقوم على معاداة مؤسّسات النّظام السياسي ونُخبه المجتمعيّة، وذلك ما انتهى إليه واقعيا بعد رفضه نتائج الانتخابات الرئاسية التي أفرزت فوز منافسه الديمقراطي “جون بايدن”. فمشاهد اقتحام الكابتول من الغوغاء والمشاغبين المشحونين بخطاباته وتغريداته، لا يمكن أن تُصنّٓف في خانة الديمقراطية أو حرية التّعبير، بل إنها اعتداء على تلك الديمقراطية العريقة كما رآها الأمريكيون، سواء كانوا من الديمقراطيين أو الجمهوريين.

فترامب الذي لا يجتهد في تجميل خطاباته منذ إعلان ترشحه للرئاسة، ظلّ غير مكترث بتداعيات خطابه المحرّض على العنف أو الداعم لمجموعات متطرّفة تؤمن بتفوق البيض على سائر العرقيّات في أمريكا، واستمر في إدارة البلاد وكأنه يدير إحدى شركاته الخاصة على حد قول أحد مواطنيه.

الشعبوية في الإعلام

منذ سنوات أصبح المبرمجون في القنوات التلفزيونية يشتغلون في عالم الندرة كما يُقال، نظرا لكثرة المنافسة بين القنوات وصعوبة تجسيد أفكار جديدة ومُبدعة في كل مرة، لكن ذلك لا يعني نفاذ الإبداع والأفكار المتجدّدة، بقدر ما يعني تمهيد الطريق أمام صعود التفاهة إلى الواجهة، وقيّام القائمين على المؤسّسات الإعلامية بإنتاج وتوزيع محتويات تتّسم بالشعبوية وانحطاط الذائقة العامة. حيث أنّ الانحدار طال الصحافة المكتوبة وبرامج التلفزيون والإذاعة، وانتقل إلى العالم الرقمي الذي تجاوزت فيه التفاهة والشعبوية كل الحدود، بل إنّها تُعد معيار التّرويج والانتشار الأول، للكثير من المحتوى. ثم إنّ التّافهين في الإعلام يتعلّلون بتقديم ما تطلبه الجماهير، ويعتبرون أنفسهم مجتهدين ومثابرين بقوة لتحصيل النجاح، وهم لأجل ذلك يغرقون في الابتذال والإسفاف ويكرّسون كل مظاهر الشعبوية، بحيث ينحدرون بالمحتوى الإعلامي إلى أدنى مستوياته بدل أن يحاولوا الارتقاء بتلك الذائقة العامة التي يتحجّجون بإرضائها.

ولذلك نرى أنّ البرامج الترفيهية والاجتماعية في التلفزيون، مثلا، قد أمعنت في استعارة خطاب العوام من الناس وإظهار قصصهم أيضا، من خلال ادعاء تسليط الضوء على قضايا اجتماعية أو إنسانية مهمة، لكنها في الحقيقة تقوم بذلك من خلال أساليب تعريّة رخيصة لبيع السلع، تفتقد فيها إلى الأدوات الصحيحة والمستوى الرفيع للقائم بالاتصال، مما يجعله صورة مصغّرة عن تمازج الإعلام مع تلك البيئات أو المستويات التي كان يجدر به أن يُحاول انتشالها من القاع بدل سحب باقي المشاهدين إليه، حتى أصبحت القصص الشاذة، كزنى المحارم، أو تفكك الأسر تُقدّم وكأنّها “الطبق” العادي والرئيسي في وجبات عدد كبير من تلك البرامج، فقط لإرضاء أكبر قدر من المتابعين.

الشعبوية في العلم

بين ديمقراطية التّعليم وشعبويّته خيط رفيع، فالأولى تعني جعله متاحا لجميع فئات الناس وتمكينهم من التعليم لرفع مستوى حياتهم ومحاربة الجهل، بما في ذلك دمقرطة المناهج والمعارف وجعلها في متناول الجميع، مع إلغاء التّلقين للحقائق المطلقة، والعمل على زرع الشك العلمي والمعرفي في عقول المتعلمين ليصلوا مرتبة التفكير النّاقد، ولا فرق في ذلك بين الأغنياء والفقراء، لكن شعبويته تعني النزول به إلى الحضيض وجعله أمرا من المسلّمات لحيازة الشهادات أو الإجازات التي تسمح بالحصول على عمل أو وظيفة في كل مرحلة، حتى بلوغ الجامعة، فيصبح التّعليم بذلك مطلبا شعبويا لا مطلبا معرفيا.

وفي هذا الصدد يشير ” ألان دونو” إلى ما يصفه “بخرافة” التّبسيط العلمي في التّخصص، الذي يعتبره جريمة تنزل بالمعرفة وبقدرات الشخص إلى مستوى غير العارف، بدل رفع القدرات إلى مستوى المعرفة.

ومنذ أن أصبحت الشهادات الجامعية هي الغاية للحصول على وظيفة واعتلاء المنصب، فإنها بدأت تفقد قيمتها الحقيقية الكامنة في سنوات من التّعلم ونهل المعارف واكتساب المناهج السليمة، فالعملية التّعليمية بالفعل تخضع لنوعٍ من السُلمِيّة أو التّراتبية التي لا يمكن القفز عليها، وإن كان كثيرا من العلماء قد نادوا بالقضاء على الطبقيّة الاجتماعية، فإنّ هنالك طبقيّة معرفيّة لا يجب أن تختفي على الأقل في الجامعات ومعاهد التعليم العالي، فهنالك فعلا يجب أن تبقى طبقة للأرستقراطيين حاملي الشهادات العليا وطبقة للبروليتاريا من حاملي الشهادات الدنيا، التي تسعى لتحسين مكانتها علميا ومعرفيا، كي لا تُعتلى المناصب جُزافا ولا يتأثر المجتمع بالتافهين والمتسلّقين والمخادعين بسهولة، فقد استقالت وزيرة العمل والشباب في حكومة النمسا “كريستين أشباخر” بعد اتهامها بسرقة أعمال أدبية، حيث أنّها استخدمتها في أطروحتها دون الإشارة إلى أنها اقتباسات لأصحابها.

وإذا كان الأمر هكذا مع شخصٍ بلغ منصب وزير تحت الأضواء، فكيف يكون الحال مع أصحاب مناصب أخرى ينتشرون على طول طريق الأعمال والوظائف المؤثرة في حياتنا اليومية من التعليم إلى الصحة والإدارة حتى أعلى مناصب الحكم في الدولة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى