page contents
أقلام الوطن

من قال إن الوطن يبنى بالاتفاق فقط؟!

جاء في الأثر: "إن الاختلاف رحمة"...

عندما كنا أطفالا صغارا كان كل عالمنا “شارع صغير” نتساكنه، وعدد من الأفراد هم أهلنا وأصدقاؤنا ورفاق في الشارع وجيران، وكانوا كلهم على يد واحدة ولسان واحد ونمطية في اللهجة ومنطوق الكلمات، ثم نكبر قليلا ونخرج من شارعنا (على ضيقه) ونكتشف شوارع أخرى ونحن نلهو لاعبين فتتوسع قواميسنا لألفاظ أخرى وكلمات جديدة وحتى اللهجة تختلف من شارع لشارع ومن ركن حي إلى ركن حي يجاوره، فكنا ننشغل ونحن نلعب باللعب والصياح لكن عقولنا في داخلها كانت منشغلة بتحريك بيادق الفكر لفهم أسباب وعوامل وماهية الاختلاف في اللفظ والفكرة والتفكير، وكنا نحاول أن نجيب على سؤال بسيط ولا نجد إجابته: (لماذا لا أسمع في بيتي ما أسمعه في بيت صديقي؟).

كان اعتقادنا ينمو في تلك البدايات الرعناء من زمن الصبا أن تغيير الشارع واللعب في حارة أخرى كان بمثابة “تغيير للوطن” وتبديلا للبلد، لكن مع الوقت ومرور الزمن نكتشف أننا لم نبرح وطننا ولا سافرنا خارجه ولا بدلناه، وأن الأمر كله لا يعدو أن يكون (نقلة) خفيفة من شارع إلى شارع ومن حارة لأخرى داخل القرية الصغيرة، لكن الأسئلة يتوالى ورودها ونحن نكبر ونخرج من قريتنا إلى المدينة الأكبر ومن المدينة إلى المدن الأخرى وتصبح أعمق أيضا: “هل يعقل أننا في وطن واحد حقا وبلد موحّد ونحن هكذا مختلفون في اللون والنطق والألفاظ والتفكير وحتى في الرؤى وتصورات المستقبل؟”

تقول الأسطورة (إن العلم في الصغر كالنقش على الحجر)، فالإيمان رسخ الآن أن كل من هو (كبير) في عالم اليوم كان بالضرورة (صغيرا) في عالم الأمس، وأن عالم الأمس هو الذي خرج منه الناس صغارا يرون بأم أعينهم اختلاف أطفال الحي عن أطفال الحي المجاور وأن أبناء هذه القرية غير أبناء القرية الأخرى، وأن لكل مدينة لهجتها ومنظومتها اللفظية وحتى نمط تفكيرها، ثم علموا يقينا لا يساوره شك أن هؤلاء كلهم (أبناء وطن واحد) وأن الوطن لم يتجزء عندما تجزأت أفكارهم ولم ينقسم يوما بانقسام لهجاتهم ولا بات الناس فيه أغرابا عندما يستغرب أحدهم من الآخر شكلا خرج به أو كلمة نطق بها أو تصرفا تمظهر به، فما المبرر اليوم إذا أن (نشترط) أن نكون “متفقين” و”متوافقين” و”على اتفاق” حتى لا يرمى بعضنا بعضا بالعمالة ولا يتهم الواحد منا أخاه بالخيانة، ثم يصبح قول أحمد شوقي في حقنا حقا وكان قوله ابتداء في حق سلف منا وفي زمن اعتقدنا أنه زال وانقضى :

إِلامَ الخُلفُ بَينَكُمُ إِلاما …. وَهَذه الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما

وَفيمَ يَكيدُ بَعضُكُمُ لِبَعضٍ …  وَتُبدونَ العَداوَةَ والخصاما

يقول (جاك باغنار) في مقدمة كتابه “الدولة .. مغامرة غير أكيدة” أن (كل دولة تستلهم نفسها من الشيء المؤسف، وهو الانشقاق الدائم الذي يفصل الحاكمين على المحكومين، لأن كل مجتمع يولد ويحافظ بصورة حتمية على علاقات السلطة … وأن الدولة تنضوي في بقاء وديمومة العلاقات على فرصة لانجاز انتصار داخل علاقات اجتماعية)، ومنه يصبح الاختلاف الذي يطبع علاقات المواطنين “عمليا” أهم عامل من عوامل استمرار الوطن ولو ظهر “نظريا” أنه واحد من آليات عدم الاستقرار فيه، فالحركية بين الموقف وضده وشبكة العلاقات غير المتوافقة بين مكونات المجتمع هي التي تصنع ديمومة الوطن، لأن الحَجرَ على الأفكار والمبالغة في كتم “الرأي الآخر” سيؤدي إلى الكبت بأي مظهر من مظاهره، والكبت يولّد الشعور بالظلم وعدم التمكين للحق، وهذا الشعور بالظلم هو أول الطرق إلى العنف الذي قد يبدأ لفظيا وقد يتطور إلى عنف فعلي وبدرجات متفاوتة.

إن فرنسا التي عقدت العزم علينا سنة 1830 لم تفعل ذلك ببيت من بيوتنا فحسب ولا بشارع من شوارعنا فقط، ولم تكتف بحي ولا بقرية ولا بمدينة، بل جعلت الوطن كله في (جيبها)، والجزائريون عندما عقدوا العزم عليها دقائق بعد عزمها لم ينشؤوا لهم مقاومات (بيتية) ولا (شارعية) ولا (قروية أو جهوية)، بل هب الكل من شرق الوطن وغربه ومن شمال البلاد وجنوبها “هزبرا” واحدا في وجهها، وقد احتفظ كل فصيل بلهجته وألفاظ لغته وقطع لباسه وطريقة مشيته، لكنهم اتّحدوا في حب الوطن واستقر (الأمل) على إنقاذه واتحد (العمل) في سبيل رفعته.

والآباء المؤسسون أيضا عندما اجتمعوا ذات يوم في جوان 1954 وهم 22 أبا، اجتمعوا وهم (على اختلاف) لا (تخالف) يضعون أول لبنة في جدار الثورة ويرسمون للاستقلال طريقه، ولم يكونوا بالضرورة (متوافقين) رغم أنهم كانوا (متفقين) على الأمر لله ثم للشعب، فاحتفظ (الشاوي) منهم بشاويته وبقي (القبائلي) على قبائليته، بل إن من الحضور من كان يتفقد أن يكون كل الطيف ممثلا فلا نجاح إلا إذا اتحدنا، فمن جاء يلبس (عباءته القروية) لم ينتزعها منه صاحب “الزي الإفرنجي” (المكستم المقرفط)، ومن كان فصيح اللغة تكلم إن وقف أو جلس، ومن لَحن في القول مخطئا أتم القول ولم يخرس، فرغم أن الألسن كانت منهم مفرقة لكن الرأي بينهم في ذاك البيت مجتمع.

جاء في كتاب عيسى خلادي “الديمقراطية على الطريقة الجزائرية: دروس الانتخاب” (La démocratie à l’algérienne : les leçons d’une élection) أن “الديمقراطية تنشأ بسيادة الشعب في إطار الرأي وحريته” (ص21)، فالحكمة تقتضي أن ننفتح على آرائنا مجتمعين ما دمنا أبناء وطن واحد، وأن لا يستأثر الواحد منا أو الفصيل بيننا بالكعكة حتى لو كانت الكعكة فكرة أو رأيا أو مساهمة، فرب رأي سدده رأي آخر وفكرة صوبتها فكرة كانت ذات يوم نقيضها ومساهمة شكلت مع مساهمة أخرى لبنة فكرية تحولت إلى حل لمشكلة أو رأبا لصدع بتنا ليالي نبحث أن نرممه.

إن الوطن لا يبنيه الرأي الواحد فقط ولا يسنده الفكر المتوحد فحسب، بل الوطن برجاله ونسائه وكل رجل وامرأة بفكره ولهجته، وكل فكر ولهجة بمصطلحاته ومنظوره، وكل منظور هو في حقيقة الأمر جزء من الحل وبعض السبب لرفعة الوطن، فإذا قبلنا أن نجعل الرأي إلى الرأي والفكرة إلى الفكرة ولم ننكر اختلافنا ورضينا بعدم توافقنا فسنغدو أمة واحدة وشعبا متحدا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق