page contents
أخبار الصحافةالحدثملفات

مُؤسّساتٌ بَكماء..!

الحقُ في الإعلامِ يَضيعُ بين أسوارِ الإدَاراتِ والمُكلّفينَ بالاتِّصال

رغم أن مختلف التشريعات الجزائرية، بداية من الدستور مرورا بقانون الإعلام، ثم قانون ممارسة الأنشطة السمعية البصرية، تكرس كلّها حق المواطن في الإعلام، لكن الممارسات للأسف تثبت عكس ذلك، فعادة ما يجد الصحفيون أنفسهم أمام مكلفين بالاتصال على مستوى مختلف الوزارات والهيئات الحكومية، “صم، بكم، عمي”، فمعظمهم يتعاملون مع وسائل الإعلام بانتقائية مقيتة، وآخرون لا يتواصلون ويتعمدون إخفاء المعلومة، لتكتسح الإشاعات والأخبار الكاذبة الساحةَ، لاسيما مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وتأثيراتها العميقة.

وإلى غاية إثبات العكس، فإن معظمهم لا يتواصلون إلا مع أصدقائهم أو معارفهم، وبالمقابل لا يتوانون في تسخير كل ما لهم من إمكانات وعلاقات لإحداث قيامة في الإعلام إذا تعلق الأمر بقضية ما يريد لها أهل الحل والربط أن يكون لها باع طويل.

تنص المادتين 54 و55 من الدستور على أن “الحصول على المعلومات والوثائق والإحصائيات ونقلها أمران مضمونان للمواطن، ولا يمكن أن تمس ممارسة هذا الحق بحياة الغير الخاصة وبحقوقهم وبالمصالح المشروعة للمؤسسات وبمقتضيات الأمن الوطني. يحدد القانون كيفيات ممارسة هذا الحق”، وتتعلق العبارة الأخيرة هنا بقانون الإعلام وقانون الأنشطة السمعية البصرية. إلى هنا الأمر عادي، لكن ما ليس عاديا هو أن هؤلاء الذين يسمون”كذبا وبهتانا” بالمستشارين والمديرين المكلفين بالاتصال على مستوى الوزارات ومختلف المؤسسات العمومية، نجد الاحترافية غائبة تماما عن تعاملاتهم، ما عدا ثلة قليلة منهم، بالرغم من أن مهمتهم الأساسية تكمن في تعزيز وترقية الاتصال الخارجي للمؤسسات التي يشتغلون فيها.

بل إن هؤلاء يتواصلون مع الصحافة حينما يرغبون في التسويق أو الترويج لموضوع معين، أو إبراز شيء ما لم تعر له الصحافة الاهتمام “الكافي”، حيث تجدهم يرمون بثقلهم ومعارفهم من أجل إنجاز المهمة على أحسن وجه حتى يرضى بهم مرؤوسوهم، ولكن حين يتعلق الأمر في كثير من الأحيان بقضايا تهم المواطن، وتشغل الرأي العام الوطني، وحتى الدولي، فتجدهم في العادة منزوين على أنفسهم، سواء بعدم الرد على الهاتف، أو أنهم يتخلصون من الصحفي المتصل بهم بعبارات رنانة ويقفلون الهاتف، بل يتعمدون انتقاء المؤسسات الإعلامية، وإخفاء الخبر وغيرها من الأساليب البالية، التي لا تليق بموظفين يرتبط وجودهم في الأصل بتقديم المعلومة الصحيحة، وتحسين صورة المؤسسة التي يشتغلون بها، لدى العامة والشركاء، وبالتالي غلق الباب أمام الإشاعات التي تعج بها مختلف المنصات. لكن – للأسف – ذلك لن يكون أمام إصرار هؤلاء على الدوس على فنون التواصل ومسايرة التطور الحاصل في المجال الرقمي عبر العالم.

قد يقول قائل إن المشكل ليس في تقصير هؤلاء في مهامهم المنوطة بهم، بل إنما في النظام السياسي المنغلق أصلا، حيث تغيب الشفافية كعامل من عوامل الحكم الراشد، وكتحصيل حاصل لا يعير مسؤولونا أي أهمية للاتصال، إلا إذا تعلق الأمر بالدفاع عن أنفسهم، أو الدعاية لمشاريعهم. لكن، أليست المشكلة أكبر من ذلك، حينما نستذكر كوارث ومطبات اتصالية وقع فيها الكثير من القائمين على الشأن العام، من خلال تصريحات استفزازية لم يدركوا تفاهتها وخطورتها حتى جاءتهم ردة فعل عنيفة من الشارع، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.

والأغرب من كل هذا أنه لو قمنا بمسح لمختلف المواقع الإلكترونية للكثير من الوزارات والهيئات الحكومية، وكذا صفحاتها في وسائل التواصل الاجتماعي، نجد أنفسنا أمام كوارث اتصالية من نوع آخر، فمعظم تلك الصفحات ميتة وغير محيّنة، ذلك ما يطرح علامات استفهام حول نجاعة مديريات الاتصال التي يتقاضى أصحابها رواتب “منتفخة”، ويحظون بامتيازات مختلفة. بالمقابل، يبقى أداؤهم ضعيفا بكل المقاييس، أضف إلى ذلك أن الكثيرين لا يتقنون فنون الاتصال، فهم يرتكبون مجازر يومية في حق اللغات التي يخاطبون بها الناس.

أمام هذا الوضع المعتل فالأولوية لم تعد لدعوات تجنيد وسائل الإعلام الوطنية للرد على الهجمات السيبرانية التي تتعرض لها الجزائر، لأن أكبر مشكل نعاني منه هو سياسة الغلق المتعمدة، واعتماد مقاربات اتصالية خاطئة فرخت فضاء ملائما للإشاعة والأخبار الكاذبة والمغلوطة والدعاية المغرضة، ما انعكس سلبا على البلاد برمتها، فالإعلام سلاح ذو حدين إن أحسنت استغلاله كان لصالحك، وإن لم تفعل فإنك ستُذبح به يوما.

فاتح إسعادي

الأستاذ بجامعة الجزائر، العيد زغلامي لـ”أخبار الوطن”:

“الاتصال في الجزائر يغلب عليه النّمط الكلاسيكي”

 

يعتبر الدكتور والأستاذ بكلية الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر 3، العيد زغلامي، في تصريح أدلى به لـ”أخبار الوطن”، أن “الاتصال المؤسساتي في الجزائر غائب تماما، بالنظر إلى النمط الكلاسيكي الذي يعتمد عليه القائمون على خلية الاتصال والإعلام في التواصل والتعامل مع المؤسسات الإعلامية، الأمر الذي أفقد ديناميكية وتفاعل هذه الأجهزة الحيوية”.

وقال الأكاديمي المتخصص في بحوث الاتصال إن “الأداء الخدماتي الذي تشرف عليه هيئات الاتصال والإعلام في المؤسسات العمومية ضعيف ولا يرقى إلى المستوى المطلوب، ويفتقر إلى القواعد والآليات التي من شأنها تفعيل دور جهاز الاتصال في المؤسسات”، مضيفا بالقول إنه “في الوقت الذي تغيب فيه المعلومة من طرف الجهات الرسمية تتغذى الشائعات من جهتها في ظل تماطل القائمين على هذا الجهاز في تقديم توضيحات وتفاصيل حول قضية معينة تهم الرأي العام بالدرجة الأولى”.

ويعترف زغلامي بمعضلة الاتصال المؤسساتي بالقول”الاتصال في الجزائر غائب تماما وكأن المسؤولين لا يعنيهم الدور الذي يجب أن يقدموه، الأمر الذي أفقد فعالية هذه الأخيرة وأبقاها في النمط التقليدي الكلاسيكي القديم الرسمي الذي يعتمد على نظام الحزب الواحد، نظرا لعدم تفاعله مع المعلومات والمعطيات، ما يعني أن هذا النمط سيقتل المبادرات وسيفقد من حيوية وديناميكية وتفاعل أجهزة الاتصال هذه، التي يحتاجها الصحفي خلال تأدية مهامه والمواطن كحق دستوري في الإعلام”.

ومن أجل تجاوز أزمة الاتصال، يقترح الدكتور ” إعادة النظر في الاتصال التنظيمي والاعتماد على قواعد وهياكل وآليات الاتصال من خلال تعيين هيئات متخصصة ومؤهلة على هذا الجهاز، تكون قادرة على ربط علاقات قوية مع المؤسسات الإعلامية من جهة، ومن أجل تحسين صورة المؤسسة التي يعمل بها من جهة أخرى”.

ويختم زغلامي كلامه بالقول :” أجهزة الاتصال والإعلام مطالبة بتفعيل دورها والبرهنة على احترافيتها ومهنيتها من أجل الحفاظ على حق المواطن في الإعلام الذي يكفله الدستور”.

أسماء بوصبيع

الأستاذ بجامعة الجزائر 3،  كريم دواجي لـ”أخبا رالوطن”:

“أغلب المؤسسات والهيئات تتعمّد إخفاء المعلومات!”

كيف تقيّمون عمل الاتصال المؤسساتي في الجزائر؟

لا يمكننا الحديث عن الاتصال المؤسساتي في الجزائر، بالنظر إلى نقص وشح المعلومة من طرف هذه الأجهزة، وهذا راجع إلى عدم وجود آليات يمكن من خلالها تقديم معلومات لمختلف وسائل الإعلام، وبالتالي قد نجد في بعض الأحيان أخبارا كاذبة ومغلوطة، بسبب غياب مصادر موثوقة التي تعطي المعلومة التي تنور الصحافة والرأي العام، لذلك اعتقد أن سوء الاتصال في الجزائر عرقل هذه الوظيفة، في الوقت التي تشهد فيه الوسائط الإلكترونية تطورا كبير، وقد عملت على تعرية أداء الكثير من المؤسسات والهيئات التي فشلت في إعطاء المعلومة في وقتها.

لهذا أقول إن الاتصال المؤسساتي في الجزائر ما يزال بعيدا كل البعد عن الواقع والتحولات الكبرى التي تعرفها التكنولوجيات الكبرى، في الوقت الذي يشهد فيه العالم تغيّرات كبيرة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن ثورة بدون أن نربط هذا بالتحول الرقمي.

يشتكي أغلب الصحفيين من الغلق المتعمد على المعلومة من طرف المكلفين بالإعلام الذين يرفضون التصريح، وقد يصل بهم الأمر إلى إقفال الخط، ما تعقيبك؟

نعم، للأسف الإشكال الكبير الذي تقع فيه الكثير من المؤسسات هو إخفاءها الكثير من المعلومات وهذا خطأ فادح، في الوقت الذي ينبغي لها الانفتاح على العالم الخارجي، وخلق اتصال مؤسساتي قوي لضمان الشفافية وتحسين أدائها، لذلك اعتقد أن الإشكال يحتاج إلى إعادة النظر في الاتصال المؤسساتي بشكل عام، وهذا يحتاج إلى الكثير من الاجتهاد.

ما المطلوب من المؤسسات والهيئات من أجل تحسين أداء الاتصال؟

يجب أولا إعادة النظر في الاتصال المؤسساتي في الجزائر، باعتبار أن الكثير من المؤسسات لا تهتم بالاتصال كمتغير مهم أساسي في نقل المعلومات إلى المواطنين، وبالتالي تنوير الرأي العام والمجتمع بكل القرارات والبرامج التي تخص القطاع،  ولهذا اعتقد أن أغلب الهيئات الرسمية في الجزائر لا توظف الكفاءات أو الموارد البشرية المتخصصة في الاتصال المؤسساتي، ما من شأنه تمكينهم من ممارستهم مهامهم بكل شفافية وحرية، لذلك يجب أن تخصص دورات للقائمين على المؤسسات بهدف مواكبة التحول التكنولوجي الحاصل اليوم.

سألته: أسماء بوصبيع

مستشار إعلامي سابق لـ”أخبار الوطن”:

“المكلفون بالاتصال يفتقرون إلى المهارات”

من جهة أخرى، كشف مستشار إعلامي سابق بإحدى الوزارات، تحفظ عن ذكر اسمه، خلال حديثه لـ”أخبار الوطن”، أن “معظم المكلفين بالاتصال يفتقرون إلى المهارات والكفاءات وأغلبهم يركضون وراء مصالحهم مقابل تقديم المعلومات، حتى ولو كان ذلك بـ”الطرق غير المهنية والأخلاقية” – على حد تعبيره – في الوقت الذي كان عليهم خدمة الإعلام”.

وأضاف محدثنا “أن هذه مهنة المكلف بالاتصال والإعلام وهو بحاجة إلى احترام قواعد وأخلاقيات المهنة، ومن أجل تحقيق ذلك يجب محاربة بعض السلوكات المشينة التي أساءت للمهنة، وضرورة خلق علاقة احترام بين المكلف بالاتصال والصحفي”.

وأكد المستشار الإعلامي السابق على “ضرورة تنظيم دورة تدريبية لفائدة المكلفين بالاتصال، خاصة على مستوى الوزارات من أجل تحسين دور الاتصال المؤسساتي بما يضمن النوعية والفعالية”.

ويعتمد المكلفون بالاتصال – بحسبه – على الانتقائية في التعامل مع وسائل الإعلام العامة والخاصة، ضاربين عرض الحائط بكل الأدبيات وأخلاقيات المهنة المتعارف عليها في مجال الاتصال، فالأقربون أولى بالمعلومة بحسب منطقتهم ما يفتح المجال لـ”الجهوية” في التعامل، إلى جانب منحهم الأولوية للوسائل الإعلامية المعروفة على حساب الوسائل المجهرية، دون أن ننسى عملهم بمنطق “العلاقات الخاصة”، الأمر الذي يعطل مهام الصحفيين في الوصول إلى الخبر اليقين، بالنظر إلى عصر السرعة الذي يفرض التأكد من المعلومات والإشاعات التي تغذيها مختلف الوسائط الاجتماعية.

أسماء.ب

مدير الموقع الإلكتروني “بومرداس سيتي”، إسلام رخيلة لـ”أخبار الوطن”:

“الصحفيون يواجهون صعوبة في الوصول إلى المعلومة”

قال الصحفي ومدير الموقع الإلكتروني “بومرداس سيتي”، إسلام رخيلة، “إن الشائعات والأخبار المغلوطة التي تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي سببها غياب المعلومة الرسمية والدقيقة من طرف الأجهزة الرسمية، وهذا ما يحدث في الجزائر بالضبط في ظل غياب قنوات اتصال حقيقية في المؤسسات، سواء كانت حكومية أو خاصة،  التي من شأنها إيصال المعلومات الدقيقة للصحفيين وضمان حق المواطن في المعلومة.

ويعتقد مدير الموقع الإلكتروني إسلام رخيلة أن سبب المشكلة يكمن “في تبني سياسات تقليدية وقديمة اتجاه عملية الاتصال في المؤسسات، وهو ما يعطي صورة سلبية للبعض منها، نتيجة ضعف مواكبة العصرنة والتحديات الجديدة في عالم المعلوماتية والإنترنت، كون رجل العلاقات العامة أو المكلف بالاتصال يفتقد إلى التكوين ومواكبة التطورات الحديثة في مجال الاتصال المؤسساتي، خصوصا بعد إدراج التكنولوجيات الحديثة في المجال المؤسساتي”.

ويقترح الصحفي إسلام رخيلة ضرورة تبني سياسات جديدة في الاتصال باعتبار أن المعلومة من الجهة الرسمية تطفئ موجه الإشاعات والأخبار الكاذبة التي باتت تسيطر على وسائل التواصل الاجتماعي، وجعلت الصحفيين يجدون صعوبة كبيرة في الحصول على المعلومة.

أسماء.ب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى