page contents
نقاشات الدستور

مُساهمةً في إثراءِ مُسوّدة المَشروعِ التَّمهيدِيّ لتَعديلِ الدُّستورِ

هَذا ما أغفَلتْهُ لَجنةُ لعرابَة في مُسوّدةِ الدُّستورِ

د. موسى بودهان

بعد اطلاعنا على إرسالية رئاسة الجمهورية رقم 221 المؤرخة في 7 ماي 2020، والتي وجهتها لبعض الشخصيات الوطنية والأحزاب السياسية والمنظمات الجمعوية وبعض المديريات العامة والمؤسسات والهيئات الوطنية والجامعات وبعض الأساتذة، قصد معرفة آرائهم في المذكرة المتعلقة بالمشروع التمهيدي لتعديل الدستور. وشعورا منا بأن أي جهد يقوم به كل واحد منا لمناقشة وإثراء المقترحات الخاصة بمشروع تعديل الدستور، هو بمثابة واجب وطني يصب في المسعى الوطني الشامل من أجل الوصول إلى دستور توافقي كما وصفه رئيس الجمهورية في برنامجه الانتخابي الذي صادقت عليه غالبية الشعب الجزائري في 12 ديسمبر 2019. “أي دستور يرسخ الديمقراطية، يؤسس لفصل حقيقي بين السلطات واستقلال أفضل للقضاء، يعزز الصلاحيات الرقابية للبرلمان وللمؤسسات الدستورية المختصة الأخرى، يضفي الشفافية والمصداقية على نشاطات وأعمال الأجهزة الهيئات محاربة للفساد وحماية للمال العام، دستور يكرس المزيد من الواجبات ويحمي أكثر الحقوق والحريات، دستور يعمر طويلا ويجنب البلاد أي حكم تسلطي أو انحراف استبدادي من خلال إنشاء سلطات مضادة وفعالة”. كل ذلك من أجل جزائر آمنة، مزدهرة وقوية”.

وانطلاقا من المحاور السبعة التي طرحتها رئاسة الجمهورية كأرضية قابلة للإثراء والتعديل بالإضافة والحذف أو الإلغاء بخصوص مسودة المشروع التمهيدي للتعديل الدستوري، خصصنا جهدا ووقتا كافيين لهذا الشأن الوطني الهام والذي يقتضي فعلا مناقشات جادة وتعقيبات موضوعية وتوصيات عملية بناءة. وقد كلّل هذا الجهد والوقت بالتوصل إلى إثراءات ومقترحات عديدة، ارتأينا نشرها في جريدتنا الغراء “أخبار الوطن”، تقاسما للأفكار وتعميما للفائدة، وهي على النحو التالي:

أولا- فيما يخصّ الدِّيباجَة:

نثمن عاليا ما جاء في هذه الديباجة لاسيما ما تعلق بـ:

– نبذ العنف والفتنة والتطرف وخطب الكراهية وكل أشكال التمييز في المجتمع الجزائري، من خلال ترسيخ قيمه الروحية والحضارية الداعية إلى الحوار والمصالحة والأخوة في ظل الاحترام الصارم للأحكام الدستورية والقانونية السائدة.

– دسترة معظم الاتفاقيات والمعاهدات والصكوك والإعلانات والعهود الأممية والدولية، القارية والجهوية، سواء منها تلك المتعلقة بالحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية أو تلك الخاصة بالوقاية من الفساد ومحاربته.

– دسترة تكفل الدستور بعدة مبادئ هامة جدا منها: مساواة المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات أمام القانون والقضاء، ضمان الحقوق والحريات الفردية والجماعية، حماية خيارات الشعب، إضفاء المشروعية على عمل السلطات، تكريس التداول الديمقراطي على المسؤوليات بواسطة انتخابات حرة ونزيهة، الفصل بين السلطات والتوازن بينها، استقلال العدالة، رقابة عمل السلطات العمومية، الحماية القانونية والأمن القانوني لأول مرة في تاريخ النظام القانوني الجزائري، – وهو أمر رائع جدا- دسترة الحركة الشعبية التي انطلقت في 22 فبراير 2019 والتي ترجمت طموحات الشعب في أن يحدث التعديل الدستوري هذا تحولات جذرية قصد بناء جزائر المستقبل بوجوه جديدة وبآليات ووسائل مختلفة على النحو الذي عبرت عنه في تلاحم تام مع الجيش الوطني الشعبي “جيش- شعب خاوة خاوة”.

وفي هذا الإطار نقترح: تصحيح واستبدال بعض المصطلحات بأخرى أكثر موضوعية وتداولا، منها:

1-“أول نوفمبر 1954” بـ “بيان أول نوفمبر 1954″، لكونه من الوثائق المرجعية التأسيسية للدولة الجزائرية (الفقرة 4).

2-“الحرب” بـ “الثورة” و”الاستقلال” بـ “استعادة السيادة والاستقلال الوطنيين” لأنهما الأجدر بالاستخدام والأقرب إلى التداول بين العامة والخاصة (الفقرة 6).

3-“الحركة الشعبية” بـ “الحراك الشعبي” لأنه يلبي رغبة أكثر لدى العديد من فئات الحراك الوطني (الفقرة 10).

4-“استقلال العدالة” بـ “استقلال القضاء” أو “استقلال السلطة القضائية”، لأنهما هما من يريد الشعب “مصدر كل السلطات وصاحب السيادة” إصلاحهما كأداة ووسيلة للوصول إلى العدالة المنشودة كقيمة وغاية (الفقرة 15).

كما نقترح إضافة بعض الفقرات الجديدة لأهميتها، ومنها على سبيل المثال:

1-إضافة فقرة جديدة تتحدث عن ضرورة المحافظة على ذاكرة شهداء الواجب الوطني من جيش ودرك وأمن وشرطة وجمارك وصحافة وحرس بلدي ودفاع ذاتي وضحايا الإرهاب، نظرا للتضحيات الجسام التي قدموها فداءا لهذا الوطن مع إدراج آلية التكفل الدستوري بهذا الانشغال المعنوي وليس المادي، لاسيما ضمن أحكام المادة 84 من التعديل الدستوري المقترح.

2-إضافة فقرة جديدة تكرَّس من خلالها المواطنة ودولة القانون كمبدأ من المبادئ الدستورية الرئيسية التي تقوم عليها الجزائر إلى جانب – طبعا – التنظيم الديمقراطي والفصل بين السلطات واستقلال القضاء ورقابة عمل السلطات العمومية والحماية القانونية والأمن القانوني والقضائي.

 

ثانيا- فيما يخصّ المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري (الباب الأول):

 

-في المادة الثالثة ليس هناك أي إحالة على أي قانون عضوي أو عادي يحدد الآليات الخاصة بتطبيقها على غرار ما كرس للمادة 4 أدناه. والأمر ذاته بالنسبة للمادة السادسة “أي ليس فيها أي إحالة على أي قانون عضوي أو عادي يحدد الكيفيات الخاصة بتطبيقها، على غرار ما كرس لخاتم الدولة في فقرتها الأخيرة”. لذلك، نقترح الإحالة في آخر هاتين المادتين إلى قانون ما “عضوي أو عادي” يتكفل بهذا الانشغال الدستوري والقانوني.

-في المواد من 15 إلى 18 التي تنص في مجملها على أن الدولة تقوم على مبادئ التمثيل الديمقراطي، الفصل بين السلطات، ضمان الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية، المجلس المنتخب هو الإطار الذي يعبر فيه الشعب عن إرادته ويراقب عمل السلطات العمومية، تشجع الدولة الديمقراطية التشاركية على مستوى الجماعات الإقليمية المتمثلة في الولاية والبلدية، وعلى أن البلدية هي الجماعة القاعدية مع إمكان القانون أن يخصص بعض البلديات بنظام خاص؛ نقول رغم تثميننا للعديد من هذه المسائل، إلا أن هناك إغفال لبعض المعطيات المتعلقة بالتنظيم الإداري والتقسيم المحلي وتسيير المرافق العمومية بطريقة حديثة وبشكل جيد.

 

ولاستدراك ذلك نقترح: إعادة صياغة هذه المواد ولاسيما المادة 16 لتحتوي على الناحية “الجهة” والقرية، على النحو التالي:

1-الجماعات الإقليمية للدولة هي الناحية “الجهة” والولاية والبلدية والقرية.

2-القرية هي الجماعة القاعدية.

ذلك أن مصطلحات النواحي والمحافظات والجهات والعمالات والولايات والمعتمديات والبلديات والقرى والتي تؤطرها مجالس جهوية، ولائية، معتمدية، بلدية وقروية، معمول بها في كثير من الدول على غرار فرنسا والمغرب واليمن والعراق ومصر وتونس، بل ومعمول ببعضها عندنا “الولاية والمنطقة” أثناء الثورة التحريرية المباركة. و”العمالة” بعد الاستقلال الوطني وإلى غاية 1967. والمحافظة الكبرى للجزائر العاصمة سنة 1997 قبل إلغائها عام 2002، و”الناحية والجهة والدائرة الإدارية والولاية المنتدبة” الآن إداريا وعسكريا وأمنيا وجمركيا وضريبيا وصحيا وتجاريا.

المادة 20 )19 سابقا(: نثمن عاليا الاهتمام الكبير المخصص لحماية البيئة في هذه المادة، ونقترح أن تكون حماية البيئة من الواجبات الملقاة على كاهل المواطن قبل أن تكون من حقوقه أو من حقوق الدولة، وذلك لما للبيئة من تحديات كبيرة جدا، لاسيما في وقتنا المعاصر المتسم بالتطورات العلمية والتكنولوجية في كافة المجالات مع ما تسببه من أخطار جسيمة وأضرار بليغة للمحيط والبيئة.

علما بأن هذه المادة يمكن جمعها مع المادة 67 الآتي ذكرها، فتصبحان مادة واحدة لاتحادهما أو وحدة مواضيعهما خاصة من حيث التزامات الدولة والمواطنين في ضمان بيئة سليمة وتنمية مستدامة تكون لصالح كافة الأجيال المتعاقبة (أي لكونهما تتحدثان على مسائل مشتركة وعلى أهداف متحدة).

المادة 24: نثمن التأكيد الهام الوارد في هذه المادة “الجديدة”، لاسيما ما تعلق بإلزام السلطات العمومية في كل الظروف باحترام الحكم الراشد وفرض احترامه في تسيير الشؤون العمومية وبالسهر على أن تضمن القوانين والتنظيمات الشفافية، وألا تحتوي أحكاما من شأنها أن تؤدي إلى الفساد.

علما بأن هذه المادة يمكن جمعها مع المادة 15 سالف الذكر، فتصبحان مادة واحدة لاتحادهما أو وحدة مواضيعهما خاصة في المبادئ التي تقوم عليها الدولة الجزائرية (أي لكونهما تتحدثان على مسائل مشتركة وعلى أهداف متحدة).

المادة 26 )25 سابقا(: ننوّه بالتأكيد على إلزام الإدارة الذي جاء في هذه المادة، لاسيما في فقرتها الثالثة التي تنص على:

“يجب أن تضمن القوانين، بشأن الطلبات التي تستوجب إصدار قرار إداري، النص على إلزام الإدارة برد معلل في أجل معقول”.

ثالثا– الحقوق الأساسية والحريات العامة والواجبات (الباب الثاني)

الفصل الأول- الحقوق الأساسية والحريات العامة

مبدئيا، نثمن عاليا توسيع مجال الحقوق الأساسية والحريات العامة برفع عدد المواد الدستورية المتعلقة بها من 41 إلى 47 مادة، لتشتمل – بذلك – على حقوق وحريات فردية وجماعية جديدة وهذا أمر مهم للغاية. لكن، مقابل ذلك تم تخفيض عدد المواد الدستورية المتعلقة بالواجبات من 9 إلى 5 مواد فقط لتطرح منها بذلك التزامات وواجبات مختلفة سواء منها تلك المتعلقة بالوطن والاقتصاد والمجتمع والأسرة والدين والأخلاق أو غيرها، وهذا في الوقت الذي كنا ننتظر فيه توسيع مجال هذه الالتزامات والواجبات لتتضمن أخرى جديدة على غرار ما هو منصوص عليه في العديد من المواثيق الدولية مثل الميثاق الأمريكي للحقوق والواجبات، أو على الأقل على غرار التوسعة التي تمت بخصوص الحقوق الأساسية والحريات العامة. وبالتالي، نرى أنه من الضرورة بمكان مراجعة هذه المسألة ومنحها العناية اللازمة لأهميتها في حياة الدول، شعوبا وحكومات، أفرادا ومؤسسات.

لذلك نقترح تحويل بعض الحقوق إلى الواجبات ومنها: ممارسة الانتخاب، التبليغ عن جرائم الفساد وعن الجرائم عموما، حماية البيئة، الدفاع الشرعي عن النفس والعرض والشرف والأرض أو الملك، إلى غيرها.

المادة 41 )56 سابقا(: بقدر ما ننوه بإبراز مبادئ الشرعية الواردة في هذه المادة وقرينة البراءة المفترضة في كل شخص تنصب عليه آلية الاتهام الواردة في هذه المادة، فإننا نقترح هنا استبدال كلمة “كل شخص” بـ كلمة “كل متهم” يعتبر بريئا؛ لتكريس المصطلح الصحيح ولاستقامة المعنى المفيد.

المادة 52 )48 سابقا(: نثمن التأكيد على تبسيط الإجراءات الذي جاء في هذه المادة، لاسيما في فقرتها الثانية التي تنصّ على:

“حرية الاجتماع وحرية التظاهر العمومي مضمونتان، وتمارسان بمجرد التصريح بذلك. يحدد القانون كيفيات ممارستها”.

المادة 53 )54 سابقا(: ننوه أيضا بما احتوته هذه المادة، لاسيما في فقرتها الأولى التي تنصّ على:

“حق إنشاء الجمعيات مضمون. ويمارس بمجرد التصريح بذلك”.

المادة 55 )51 سابقا(:التنويه نفسه نؤكده على ما احتوته هذه المادة، لاسيما في فقرتها الأولى التي تنص على:

“يتمتع كل مواطن بالحق في الوصول إلى المعلومات والوثائق والإحصائيات واكتسابها وتداولها”.

المادة 56 )62 سابقا(: يشكل العزوف الانتخابي حجرة عثرة في سبيل تجسيد الديمقراطية الحقيقية في انتخاباتنا الوطنية، وهذا لعوامل وأسباب عديدة، منها أن الانتخاب عندنا حق وليس واجبا. لذلك نقترح تعديل هذه المادة بإضافة فقرة ثانية “جديدة” إليها لتصبح صياغتها على النحو التالي: “لكل مواطن تتوفر فيه الشروط القانونية أن ينتخب وينتخب”، “مشاركة المواطنين في الاستحقاقات الانتخابية والاستفتائية تعد حقا وواجبا”.

المادة 59 )35 سابقا(: نقول إن هذه المادة، من جهة، تتناقض مع مواد دستورية عديدة (35، 37، 70،171)، خاصة فيما يتعلق بمبادئ مساواة المواطنين والمواطنات أمام القانون في الحقوق والحريات. ومن جهة أخرى، تعتبر مادة زائدة “بلا فائدةـ”، لاسيما وأن هناك مادة تماثلها أو تكاد تكون مطابقة لها “المادة 71”.

المادة 61 )43 سابقا(: نثمن العناية المخصصة للجانب الاقتصادي، عبر – أولا – المواد السالفة التي تضبط واجبات أجهزة الدولة نحو المرتفقين والمواطنين بصفة عامة. و- ثانيا – عبر بنود المادتين 61 و62.

المادة 72 )70 سابقا(: نثمن احتواء هذه المادة على البندين الهامين التاليين:

“1-الحق النقابي معترف به لجميع العمال. يضمن القانون حرية ممارسة هذا الحق”.

“2-يمكن لمتعاملي القطاع الاقتصادي أن ينتظموا ضمن منظمات أرباب العمل في إطار احترام القانون”.

المادة 73 )71 سابقا(: نظرا لكون الإضراب المنصوص عليه في هذه المادة هو من النتائج الحتمية التي تترتب، في كثير من الأحيان، على ممارسة الحق النقابي المنصوص عليه في المادة 72 السالف ذكرها، واعتبارا المواضيع التي تعالجها هاتان المادتان، فإننا نقترح دمجهما معا ليصيرا مادة واحدة.

 المادة 81: نثمن التأكيد الهام على ممارسة حق المواطنة الوارد في هذه المادة، لاسيما في فقرتيها الأولى والثانية اللتين تنصان على:

1-” لكل مواطن الحق في أن يتقدم إلى السلطات العمومية بمفرده أو مع آخرين بملتمسات قصد طرح انشغالات ذات مصلحة عامة أو بشأن تصرفات ماسة بحقوقهم الأساسية”.

2-“من حق كل ملتمس أن يبلغ بنتائج مسعاه في أجل معقول”.

ونظرا لاستحداث وسيط للجمهورية يكلف بالمساهمة في قانونية سير المؤسسات والمرافق العمومية وحماية الحقوق والحريات، نقترح إعادة النظر في هذه المادة بشكل يضمن أولا الإشارة إليه وثانيا الإحالة إلى قانون يحدد كيفيات تطبيقها، مع ضرورة النص، في فقرتها الثانية، على تحديد الأجل وعلى الجزاء الواجب ترتيبه على عدم تمكين الملتمس من حقه في أن يبلغ بنتائج مسعاه خلال هذا الأجل المحدد.

(العنوان من اقتراح هيئة التّحرير)

“يُتبع”

اظهر المزيد

ابتسام بوكثير

صحفية جزائرية مهتمة بقضايا المرأة والشأن الثقافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق