page contents
أقلام الوطن

نجمة: الواقع والتلفيق

بقلم الدكتور السعيد بوطاجين

كان صدور رواية نجمة لكاتب ياسينفي 1956 خرقا للمعيار السردي المتواتر، بالنظر إلى ما ميزها من انزلاقات بنيوية، ما جعلها تلفت انتباه القارئ الذي رأى أنها فلتت من الأجهزة النقدية، ومن الذائقة التي أسست على التقاليد المتوارثة. الموقف النقدي الفرنسي يلخص ذلك بقوله :”إنها نوع أدبي متفرد، وضع النمط الروائي الأوربي في حرج”. لم يعد الأمر يتعلق بالاختلاف إذن، بل بالجنس الأدبي، وذاك ما أربك نظرية الأدب، مع أنّ هذا الخرق كان قائما من قبل.

هناك مجاورات بين نجمة وكتابات فوكنر ومارسيل بروست من حيث الشكل، وخاصة من جانب البنية الزمنية المتشظية، كما نلاحظ تماسات بينها وبين رواية الصخب والعنف، وقد تتقاطع، من الناحية الشاعرية مع سرد نيكوسكازنتزاكي، لكن ذلك لا يحيل على أية محاكاة.

إننا نعتقد أن قسما من السرد في نجمة له علاقة بالشاعر كاتب ياسين، وليس بالروائي الذي كانه، كما مؤلفات مالك حداد التي تبوأ فيها الشاعر المقام القاعدي، تاركا النثر في الدرجة الثانية، ونقصد ما تعلق بنقل الأحداث من حيث إنّ طريقة السرد تغدو حدثا لغويا قائما على خدمة الشعري.

ثمة في الرواية أنواع سردية ومستويات، ولا يمكننا تعميم الجانب الشاعري على النص تفاديا للمبالغة المسوّقة، ذلك أن قسما من السرد راهن على الحدث والفعل، وليس على الجانب الشاعري، بالمفهوم المكرس حاليا في بعض الأحكام والقراءات التي لا علاقة لها بالرواية أصلا.

لا نلاحظ في كثير من المقاطع أي جهد للارتقاء بالمتخيل السردي إلى حدود الشعر. هناك تبئير على الحركات والأفعال بمستوى سردي مختلف عن المستويات الأخرى، ومثل هذه المقاطع تشكل، على عكس ما ذهب إليه النقد، القسم الأكبر من الرواية. ما يفرض علينا، أكاديميا، إعادة النظر في أحكامنا انطلاقا من تفكيك المدونة ذاتها، دون أي استثمار ما قبل نصي.

لقد كتبت نجمة تأسيسا على لعبة الأزمنة لمسوغات فنية ونفسية، وقد أدى هذا التشظي، في بعض الحالات، إلى إيقاف الحركة السردية وظهور بنى متراخية، بمفهوم الشكلانيين الروس، وستسهم هذه البنى في ظهور تضخمات قائمة على الحالات المشكلة من عناصر أربعة: المشهد، الوقفة، المناجاة والتأمل.

وفي هذه الحالات فقط يميل النص إلى الشعر، وغالبا ما يتجلى هذا المظهر على ألسنة الشخصيات المبئرة، على تباين مستوياتها المعرفية واللسانية، وقد يحيل التقارب الحاصل بن الأشكال التواصلية إلى تدخل الكاتب، إن لم تكن عدة شخصيات انعكاسا له، كما يمكن أن تكون شخصية واحدة.

تؤكد المجاورات المتعلقة بالنسيج الشعري، ما قاله كاتب ياسين في 1967: كان العمل في البداية مؤلفا شعريا، وتحول تدريجيا إلى رواية ونصوص مسرحية. لقد بقي كما بدأه: “أنقاضا  وورشة”. لكن أنقاض القصيدة تبدو أقرب إلى المنطق، أما الورشة فتنطلق مع التخلي عن القصيدة بإدخال العناصر القصصية، وهذه العناصر ذاتها هي التي تقلل من حضور الشعري.

يضحي النوع السردي، الآيل إلى المشهد، بمقومات السرد الذي يبئر على الحدث، لينقل المقطع إلى أرقى المستويات التعبيرية التي تتقاطع مع الشعر، في صوره واستعاراته، وفي متخيله، مع أن ذلك لا يحدث باستمرار لأن الرواية تعاملت مع السرد الحاكي في أغلبها، أمّا الجانب الشاعري فيتدخل لتأثيثها في فترات متباينة

هل كان الكاتب بصدد تأليف مسرحية؟ إضافة إلى الشاعرية التي كانت موضوعا جزئيا، فإن ميل النص إلى الحوار، في عدة صفحات، مستعينا بالجمل القصيرة التي تؤدي وظائف تنسيقية، يجعلنا نتساءل عما إذا كان في نية المؤلف كتابة رواية ممسرحة، أو مسرحية روائية.

ثمة عدة مقاطع طويلة جاهزة للتمثيل. أكانت امتدادا للسرد الكلاسيكي، أم مقدمة لكتابة المسرح؟ لقد قال كاتب ياسين: شاهد مسرحية، “خذ حقيبتك” ما يقارب مليون شخص، في حين لم يتمكن من قراءة نجمة سوى بعض الآلاف من المثقفين والجامعيين”.  لا يمكننا الجزم بما كان يدور في ذهنه، مع أن نجمة تتقاطع مع الفن الدرامي، ولذلك تصبح مزيجا من الرواية والشعر والمسرح.

من بين ما ميز الرواية ميلها أحيانا إلى محو العلاقات السببية: الجملة الأولى تكون مقدمة للثانية والثانية نتيجة للأولى ومقدمة للثالثة، كما أشار إلى ذلك تودوروف في تحليله لجزء من ألف ليلة وليلة في كتابه شعرية النثر. إننا نجد محوا لهذا البناء الذي يسهّل متابعة مسار الحكاية، وقد يكون هذا الجانب، إضافة إلى الزمان المركب، هو ما أربك القراء وجعلهم يقدمون تأويلات مغالية.

إنّ كثيرا مما كتب حولها بحاجة إلى انضباط، ذلك أن التأسيس على الشفهية يقضي على جمالياتها. هل كانت هناك وظيفة لخفوت السببية الداخلية؟ لا يمكن نفي ذلك. لقد سبقت كاتب ياسين بعض الكتابات التي سعت إلى كسر العلاقة المباشرة بين العلة والمعلول، بين الفعل ورد الفعل، لإحساس الكاتب بعدم جدوى البناء المنطقي.

ثمة أيضا تعامل خاص مع علامات الوقف، التقنية التي ظهرت مع مجيء الرواية الجديدة مع فوكنير، بروست، و قد استعملت لتسريع السرد. أما كاتب ياسين الذي استورد هذه التقنية فيكون قد لجأ إليها لينقل حالة الشخصيات القلقة. من الأفضل تناول نجمة بعيدا عن أيّ احتكار لأنها نص قبل أن تكون أيديولوجيا، وإذا حدث أن تخلى عنها التضليل فسنكون أمام رواية غير التي نتحدث عنها، دون قراءتها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى