page contents
أقلام الوطن

نحوَ منهجٍ جَديدٍ

بقلم الدكتور السّعيد بوطاجين

تحوّل “جيرار جينيت”، كما “تودوروف” و”أمبرتو إيكو”، وغيرهم من علماء السرد والسيمياء إلى الاهتمام بمجالات أوسع، مبتعدين تدريجيا عن الصرامة المنهجية التي عرفوا بها في مؤلفاتهم، وإذا كان “خطاب الحكاية” هالة أكاديمية من حيث المصطلح والتفصيل والقيمة العلمية، فإنه بدأ يخفت تدريجيا بفعل التحوّلات التي تشهدها المعرفة المنهجية.

يمكننا الكشف عن هذا المتغير بداية من كتاب “إيكو”: “آليات الكتابة السردية، هوامش على اسم الوردة”، إضافة إلى “غابة السرد”، الذي يعدّ نوعا من التراجع عن المعالجة البنيوية الصارمة، والنزوع نحو إقامة وزن للتأويل والسياق والمؤلف والمتلقي، كما كان هذا المؤلف تنقيبا في الموروث والعلامة والمعجم والثقافة والدِّلالة، وبطريقة مغايرة لتلك التي اتبعت في كتابه “البنية الغائبة”.

كما شهدت بعض النقود عدولا بتوجهها نحو التاريخ والفلسفة وسيميائية الثقافة و”اليائيات”، وهو ما قام به “يوري لوثمان”. أكان ذلك إيذانا بوصول المناهج اللسانية إلى أفق مسدود استدعى مراجعة ما تمّ إنجازه خلال عقود! ربما كان للأمر علاقة بمعيارية الدراسات التي غدت متقاربة بسبب وقوع الأدوات الاجرائية في المعاودة، كما حصل للبلاغة العربية القديمة، إضافة إلى انمحاء التمايز ومسألة تحييد المعنى وقضايا الجمال، كما عبّر عن ذلك”تودوروف” في كتاب “الأدب في خطر”.

هذا الكتاب مساءلة لواقع المناهج البنيوية وآفاقها، كما أنّ علم السرد التجريبي هو إقرار بالانكفاء، وإذا كان المنظور الجديد في طور التأسيس، بالنظر إلى حداثته النسبية: (1997 مع “دافيد هرمان” وعناصر علم السّرد الجديد، وآفاق التحليل السّردي الجديد في 1999، وتاريخ نظرية السرد، من البنيوية إلى اليوم لـ “مونيكا فلودرنيك” في 2005)، فإنه يعتبر الدراسات السابقة حلقة مؤسسة له.

يطرح هذا المنظور السؤال ذاته الذي طرحه البنيويون عبر السنين: ما المحكي؟ غير أنه متباين في نظرته الشمولية وفي انشغالاته، مقارنة بالتجربة التي ميزت الرّواد الذين كانت لهم منطلقات مخصوصة، ومن رؤى التصور الأمريكي البديل: اعتبار علم السرد التجريبي كلّ مقاربة تهتم بدراسة الخطاب السردي، وليس فقط ما ينضوي تحت نظرية الأدب البنيوية.

توسيع حقل الاهتمامات إلى التاريخ والسينما والحديث والصورة والموسيقى والحقوق والاقتصاد السياسي والطب، وكلّ ما يمكن أن ينتظم سرديا، سواء كان أدبيا أم غير أدبي، كتابيا أم شفهيا. ما يعني أننا قد نصل إلى بلورة علم سيشمل مجموعات تحتية كثيرة: علم سرد الأعراق، علم السرد النفسي، الاجتماعي، الإعلامي، الديني، الخرافي، الأسطوري.

توظيف وسائل متنوعة في المقاربات: لسانيات التواصل، علم الاجتماع اللساني، علم النفس اللساني، وكل الوسائل التي توفرها العلوم المعرفية والنصية، مع تبنيّ مجموع التوجهات المختلفة: الحوارية، البلاغة، المنطق، الفلسفة، الشكلانية، الظواهراتية، الأرسطية، علم الأخلاق، الانطباعات المعرفية، الآراء السياسية، التاريخ، الأنسية.

وأمّا الأسئلة، فلا تركز على التمفصلات البنائية وحدها، بل على العناصر التي تدخل في الكيفية والدلالة والتشكيل: قابلية المحكي للحكي، التداخلات المعرفية، وظيفة الحكاية، معنى المحكي، وليس فقط كيفية انبناء المعنى، حركية المحكي كعملية إنتاجية، وليس المحكي كمنتج مستقل عن السببية الخارجية، علاقة السياق بالمحكي وتأثيراته، أهمية الأدوات التعبيرية…إلخ.

هناك نوع من التوفيقية الجامعة، على شاكلة الخيار الذي اتبعته التداولية بتخليها عن الضوابط المنهجية التي تبنتها اللسانيات البنيوية، وإذا كنا لسنا متأكدين من المسارات التي سيصل إليها هذا المشروع الذي يبدو قلقا، فإنّ الرؤية الجديدة تقرّ بصعوبة المهمة، ومنها كيفية التعامل مع التأويل.

يشير الطرح الجديد إلى التأويل ويقرنه بتوفير مقام للمتلقي، أي أنه يريد أن يفرد للقارئ مجالا أوسع، وأكثر قدرة على التحرر من القوانين التي فرضها علم السّرد الجينيتي، وذلك بطرح أسئلة تمّ إبعادها من قبل، ويفهم من ذلك إعادة إدماج فئة واسعة من القراء الذين فقدوا مكانتهم في الدراسات السابقة.

يذهب “دافيد هرمان” إلى اعتبار المتلقي جزءا من المشروع، ومن هنا ضرورة معرفة موقفه من الملامح السردية، ومن الكتابة، ما قد يؤدي إلى أمرين: التأويل والموقف، مع ما للمواقف والتأويلات من مرجعيات متشعبة يتعذر ضبطها لعلاقتها بالذات والذائقة ومستويات التلقي، وإذا كانت الآليات السردية السابقة تتكئ على علمنة السرد، فإنّ المقترح الجديد بصدد التنازل عنها لفائدة الانتشار كأولوية من أجل التوسع، وذلك بإشراك عدة قراءات.

كما يطرح هؤلاء عدة أسئلة، ومنها: على أيّ أساس يعتمد القراء لضبط التأويل القريب من المنطق؟ الإجابة بحاجة إلى تحيين للانتقال من النظرية إلى الممارسة. يبدو الأمر ملتبسا لأنّ التفكير في التأسيس لتجربة خاصة باستنباط مستويات التأويل أمر لا يخلو من الإشكالات، ثم إنه ليس من السهل تقنين التأويلات لجعلها قريبة من الحقيقة النصية، وإذا حدث ذلك فإننا سنتجه نحو نمذجة أخرى لفعل القراءة، وذاك ما يرغب علم السرد التجريبي في تفاديه حتى لا يقع في التنميط.

يرتبط التجريب بالذوات المؤولة في عددها اللامتناهي، وبالمرجعيات التي يبني عليها القارئ تأسيسا على ثقافته ومداركه. لذا قد يواجه علم السرد التجريبي مشكلة المرويات والمقاصد: مقاصد المؤلف ومنطلقات المؤول، علما أنّ المؤول غير مستقر. هل سيكتفي باقتراح نماذج تقريبية لتحرير القراءة من صرامة الدراسات السابقة، مع إمكانية ظهور قراءات مغالية، ومن ثمّ مواجهة الاسقاطات التي وقعت فيها النفسنة والجمعنة؟ وكيف سينتقل إلينا هذا المنهج؟ بإملائية أم بمساءلات عارفة؟ وهل سيأتي من الإنجليزية أم من الفرنسية كوسيط لكل ما هو وافد؟

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. ما كان ينبغي ان يصاب السعيد بوطاجين باذى المرض،مرض السعيد بوطاجين خسارة للفكر،وخسارة الإبداع وخسارة للثقافة،وخسارة للجرائد الاخبارية الرخيصة التي لا تعطى أهمية وقيمة إلا بحضو رمقالاته القيمة.فطوبى للبطن التي انجبته،واللاب الذي انتسب إليه والجد المحظوظ الذي خلد بأعمال سعيد فهو ترتفع هامته في العلا به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى