page contents
أقلام الوطن

هل هذه جامعة ؟

بقلم الدكتور السعيد بوطاجين

مواجهة الذات والحقائق بموضوعية بوابة ضرورية تضيء واقعنا للكشف عن الزلل العام، ومن ثم العمل على رأب الصدع بموضوعية، كما أنّ كل خطوة تستدعي مراجعة جذرية لمجموع الخطى التي تمّ تحقيقيها من قبل، سواء في الضوء أو في العمى.

أمّا الهرب من الظلام بالجري في الظلام، بتعبير الروائي نجيب محفوظ، فطريقة مثلى لإغراق الجامعة في الجهل عن طريق الترقيع المستمر لمسائل تستدعي مصارحة أنفسنا بدل التعتيم على واقع شفاف لا يستدعي كلّ هذه المغالطات خدمة للتوجهات السياسية، وللمناصب الظرفية.

لقد غدت هذه المؤسسة، كحضانة للكبار، وكحصان طروادة، غير مؤهلة لإنتاج أبسط فتات المعرفة، أو تمثل ما ينجز في العالم، وهي بعيدة عن روح التعليم والتعلم والبحث والقيم لأنها لا تستعمل سوى لامتصاص غضب الشارع بمنح شهادات عليا لطلبة غير مؤهلين، لتلقي بهم إلى الشارع مجددا بعد فترة من “التكوين” السريع، أو ما يشبه الساندويتش العلمي.

المشرفون على هذه الحضانات الكبرى، بداية من وزراء التعليم العالي، مرورا برؤساء الجامعات والعمداء ومختلف المسؤولين على الشأن البيداغوجي يدركون أن الجامعة تنتج أميين لا يعرفون كتابة جملة صحيحة بمستوى الليسانس والماستر والدكتوراه الجديدة، ولا يعرفون المنهج والمنهجية ومكان النقطة والفاصلة، وفي حالة أقسام الآداب فإنهم لا يعرفون أي أدب، لا الجزائري ولا العربي ولا الأوروبي ولا الأمريكي ولا الروسي، ولا يدركون إن كان غابريال غارسيا ماركيز كاتبا كونيا أم شطيرة بالطماطس والبيض والهريسة.

هؤلاء هم الذين سيسهمون لاحقا، بشهاداتهم الفقيرة إلى المعرفة والمنهجية واللغة، في تكوين جيل جديد من حملة الليسانس والماستر والدكتوراه، وعلينا أن نتصور ما سيحصل بعد سنين قليلة.

لا أحد منا يجهل الدور المدمر الذي تقوم به المنظمات الطلابية الحالية، بتزكية معلنة من المسؤولين لأغراض سياسية وانتخابية ودعائية عملت على تقويض الجامعة، ولأهداف أخرى يمكن الكشف عنها جماعيا بمواجهة هذا الواقع الشاذ عندما نملك الشجاعة الكافية لتعرية ما وجب تعريته، دون كذب أو تلفيق.

رئيس الجامعة والعميد ورئيس القسم يولون أهمية كبيرة لهذه التنظيمات الضاغطة التي تسنّ قوانينها البدائية، لكنهم لا يولون أيّ أهمية للمؤطر كأضعف حلقة في السلسلة التعليمية المعاصرة. عندما يغيب الطالب سنة كاملة، دون أن تحتسب الغيابات والعلامة الاقتصائية، كما كانت الجامعة في سابق عهدها، خاصة أيام نظام الوحدات، وعندما لا يعرف البرنامج، ولا يعرف أستاذه ولا يراه ولا يسمع عنه شيئا، وعندما يتهجى الجملة بصعوبة ولا يستطيع كتابة اسمه بشكل واضح في ورقة الامتحان، ثم ينجح في نهاية العام بقدرة قادر، نفهم بعض أسباب هذا التدني العام الذي تمت برمجته خلف المكاتب من سنين خلت.

الطالب في السنين الأخيرة غير معني لا بالدرس ولا بالمحاضرات ولا بالكتاب ولا بالأستاذ ولا بالتكوين ولا بالمسؤول ولا بالأخلاق ولا بالضوابط الأكاديمية المتعارف عليها دوليا، كما الادارات والوزارات المتواطئة معه لأنه أحد وجوهها المهيمنة على المشهد الجامعي الذي يزداد انهيارا وتصدعا في ظل الاصرار على التعتيم والكذب، على إخفاء الحقائق الصادمة التي ستدخل البلد برمته في مرحلة من العبث، كما تمّ العبث بالأحزاب والاقتصاد والقيم ومستقبل الأمة بالتزوير والخطابات الميتة التي كشفت السياقات عن طابعها التراجيدي الذي أوصل البلد إلى مرحلة متقدمة من الصدع والترهل.

يجب الاعتراف بأن الجامعة الجزائرية ليست بخير، ولن تكون بخير لأنها تتفادى مواجهة نفسها بالنقد والمراجعة وتصويب الخلل الذي تصر على تعميقه لغايات نفعية، بإعادة النظر الجذري في منطلقاتها وأطرها ومقوّماتها وأهدافها الفعلية، في علاقتها بالمحيط الخارجي، في البرامج الخاطئة التي تسند لغير أهلها من المبتدئين والوصوليين، في الوحدات الاستعجالية التي لا قيمة فعلية لها، في الأشكال التعليمية المتواترة، في المنح والعطل العلمية التي تهدى إلى الاداريين المنتشرين على الكراسي على حساب البحث، في أسباب هجرة الكفاءات الوطنية إلى الخارج بحثا عن الكرامة، في تهميشها وتقزيمها، في علل محاربة الخبرة والجهد وتسبيق البيروقراطية على العبقرية المنتجة.

اللجان العلمية على مستوى الأقسام تعين مشرفين، أو مناقشين لأطاريح الدكتوراه دون تبصر لأنها تؤسس على تقاليد الدوار ونواميسه، على العلاقات الشخصية:أساتذة يناقشون ما ليس لهم به علم، يقفزون من مستوى الأسلوب الرنان والعاطفة الجياشة إلى حقول السيمياء وعلم السرد والتفكيكية والتداولية والمصطلحية من أجل نقاط تؤهلهم إلى الترقية، دون أن يكونوا متخصصين في الشأن. شهادات الليسانس والماستر والدكتوراه توزع كما الأرباح في التعاونيات الفاشلة، وكما توزع النخالة على النطيحة والمتردية، منطق القبيلة يتحكم في العلاقات الجامعية والعلمية، في تعيين المسؤول، في القرار، في البرمجة، في تسيير الشأن التربوي الذي يستدعي كفاءة وروية وتخطيطا سليما.

الجامعة التي تنصاع للأحزاب الأمية، للأنظمة العابثة، للشعارات المرحلية التي تحيدها أو تبعدها عن دورها الريادي في صناعة العقل والوعي وتحصين المجتمع وترقيته، هل يمكن أن نسميها جامعة يعوّل عليها في تنشئة الأجيال والاسهام في خلق جدل مؤثث يجعلها تستحق هذا الاسم الكبير؟ لقد غدت هذه المؤسسة إساءة إلى نفسها، إلى الثقافة والعلم والأخلاقيات والجهد الفكري، لذلك اختفت من الترتيب العالمي عندما تراجعت إلى مستوى الثانويات والمتوسطات، إلى مرتع للجهل والشهادات المزورة والرسائل المسروقة، سواء في العلوم الدقيقة أو في العلوم الاجتماعية والانسانية: هل هذه جامعة أم ماذا؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى