page contents
أقلام الوطن

وزارة النفايات

بقلم الدكتور السعيد بوطاجين

الحديث عن السياحة في الجزائر ليس أكذوبة فاخرة وحسب، إنما نحسبه شيئا من قلة الذوق وقلة الأخلاق والعقل والتحضّر وكثرة الأمعاء السائرة في طريق النموّ، ولا توجد مبرّرات أخرى لفهم هذا السلوك تجاه الجمال والتاريخ في وطن له كل الامكانات لصناعة سياحة متقدمة، جبلية وصحراوية وثقافية وتاريخية.

ثمة شيء ما يدعى وزارة السياحة، وشيء آخر نسميه وزارة الثّقافة ووزارة البيئة. بقي أن نفكر بجدّ في استحداث مؤسسة مكلّفة بإعادة الاعتبار للمعالم والآثار وترقيتها، بالتنسيق مع الهيئات المعنيّة من أجل الحفاظ على الموروثات المادية والمعنوية، كما يحدث في الغرب، وفي كثير من الدول العربية التي تثمن ما لا نفكر فيه لاعتبارات سياسية وحضارية، وبسبب امحاء الذكاء والجهد ومعرفة الفعل.

لن نتحدّث عمّا يشبه المدن أو القرى المنتفخة الشبيهة بمراقد لا تشرّف أحدا، مع أنّ هذه الأشكال العمرانية، كنماذج بنيوية دالة، تحيل إلى بنية عقليتنا وطريقة تفكيرنا الرعوية، من حيث إنها أنظمة علامات غير لغوية لها قيمتها الدلالية، كما أن لها مسوّغاتها وأبعادها.

لا ندري تحديدا ماذا سيتبقّى من هذه المدن الاسمنتية بعد سنوات قليلة، بعض الإسمنت والزّفت والأرصفة المبلطة والممهلات الغريبة، لا غير، هي ذي النتائج المستقبلية: بنايات عدوانية مناوئة للذوق والعين، حجارة ميتة فوق حجارة مقطبة، حجارة بأنياب ومخالب وأمعاء: هؤلاء هم نحن، واقع قصديري لا حاضر له ولا أفق يرتجى.

كان بمقدورنا مثلا أن نحبّ هذا البلد بصدق، بالتقليل من فائض العبث والأمعاء الكثيرة المقيمة في الخطاب السياسي الفائض عن الحاجة. كان بمقدورنا، وبجهد بسيط زهيد، وبأقل تكلفة، تأثيث هذه المدن الممسوخة ببعض الرّوح والذكريات، بالأسماء والوقائع والأحداث التي شهدتها عبر الوقت.

ليس من العسير تعقّب آثار الشخصيات التي مرّت من هنا. كان من واجبنا التعامل مع هذا الإرث ببهجة العارف بالقيمة التاريخية والحضارية لما يبدو سفاسف لبعض المسؤولين والساسة الذين يفضلون الخرائب على العقل والجمال.

مرّ الرحالة ابن بطوطة بتوّات (أدرار حاليا) ومستغانم ولم يبق له أيّ أثر يذكر سوى ما ورد في كتاب الرحلات، وأقام ابن خلدون في بجاية حيث شرع في كتابة المقدّمة، ثم انتقل إلى مدينة فرندة، ولا أحد منّا يثمّن هذه المساحة المتميّزة التي بها قيمة اعتبارية كبيرة.

وزار السيّد كارل ماركس الجزائر بإيعاز من طبيبه لعلاج مرض الربو، ومع أنه سكن في شارع محمد الخامس، وفي بلكور (بلوزداد حاليا) فإننا لا نجد أيّ أثر دال على مروره، رغم أن زيارته أوحت له بمؤلفه: الماركسية والجزائر. لا شيء يثبت أن الكاتب أندري جيد بدأ كتابة رائعته “قوت الأرض” في مدينة بسكرة، قبل أن يكملها في تونس. ازابيل إبرهارت التي عاشت في نواحي بوسعادة متنكرة في برنس، وكتبت نصوصا مثيرة متداولة عالميا، ثم ماذا؟

لا أثر لألبير كامو الذي كتب الغريب والطاعون وأعراس وهالات أدبية متنقّلا ما بين الجزائر ووهران وبوفاريك. لا شيء يقول إن أحمد شوقي وجي دو مو باسان مرّا بأميرالية ساحة الشهداء ذات قرن، ولا الكاهنة  ولا يوبا  ولا عقبة بن نافع ولا سي محند أومحند، وهل أولينا اهتماما لمغارة سيرفانتيس بقلب العاصمة؟ وأما ضريح محمد العيد آل خليفة، وأمّا عبد الحميد بن باديس، المقراني، هواري بومدين، مالك بن نبي، الطاهر وطار، مولود فرعون، محمد ذيب، مالك حداد، وما تعلّق بكل أبطال البلد وصانعي أمجاده قديما وحديثا!

هل الرقص والتصفيق والطبل والمزمار والأحزاب الفاشلة وكرة القدم أكثر شأنا من هؤلاء! لو أننا استثمرنا في بناء معالم لخسرنا قليلا وربحنا كثيرا. كان يمكن الحفاظ على وجه البلد وجلب السياح، كما يفعل الرجال الحقيقيون في ممالك العقل التي تراهن على ثقافتها وأصالتها كي تحصّن نفسها، كي تثبت أنها أمم لها ذاكرة تستند إليها باعتزاز.

أما نحن، فبقدر ما نتوسّع عمرانيا، بقدر ما ننبغ في إنتاج الفوضىى والنسيان والعنف والبداوة التي تمكنت من الحضائر برمتها، كما لو أننا لسنا معنيين بهذا السلوك المخزي. ثم نتحدث عن السياحة؟ وعن وزارة متخصصة في إدارة شؤونها؟ السياحة ليست إسمنتا مسلحا لا مرجعية له، وليست اجتماعات ومسوّدات وقرارات عائمة، إنها قدرتنا على تغيير الذهنيات البدائية، على منح كلّ حجر علامة قابلة لأن تملأ بالمعاني والأسئلة والتأويلات والمرجعيات، هي أن تجعل كلّ قطعة من الأرض قابلة لأن تصبح إحالة إلى كياننا.

إننا ندرك أنّ كل قطعة من هذه الأرض، من شمالها إلى جنوبها، لها حكاية ما، سعيدة أو مأسوية أو غامضة في جهة ما، أو بحاجة إلى إضاءة أكثر حتى تأخذ مكانتها الطبيعية والرمزية، ومع ذلك نتمادى في صناعة موتنا بكلّ ما أوتينا من كذب على أنفسنا تأسيسا على الوهم المقدس. لقد غدونا مقبرة لكل العلامات التي بإمكانها أن تجعلنا قوة سياحية بمقدورها تجاوز الاعتماد على النفط المدمر.

لكن، قبل هذا وذاك، وقبل الحديث زورا وبهتانا عن وزارة مكلفة بالسياحة في هذا البلد، يلزمنا استحداث وزارة مكلفة بالنفايات التي أصبحت جزء من شخصيتنا، ما يمكن أن يشبه الثوابت الوطنية الخالدة. السائح لا يأتي للاستمتاع بالقاذورات والصراصير ومختلف الأوساخ، بالغلاء الفاحش، بسوء الاستقبال، بغياب الهياكل، بانعدام الأمن، وعليكم أن تقرأوا كتاب جزائر حبيبتي  لأحمد راشد ثاني لتعرفوا من أنتم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى