page contents
الحدث

يسعد مبروك: معاداة القضاء بنبرة ثورية زائفة سيقودنا إلى الخراب

بقلم رئيس النقابة الوطنية للقضاة يسعد مبروك

في كل الدول بغض النظر عن نظام الحكم السائد يظل الدور المطلوب من القضاء الحفاظ على التوازن بين قيم ومصالح المجتمع من جهة وحقوق وحريات الأفراد من جهة ثانية وذلك بتوظيف التجريد المميز للقاعدة القانونية تارة وتطويع مقتضياتها بما يحقق الشعور العام بالعدالة تارة أخرى ولا يعد ذلك تناقضا كما قد يتناهى للبعض في قراءات حادة لأداء القضاء.

في المرحلة الراهنة بكل تعقيداتها وتجاذباتها يصبح دور القضاء مفصليا ومن واجب منتسبيه أن يثبتوا جدارتهم الوظيفية وقدرتهم على مواجهة الضغوط سواء كان مصدرها السلطة أو الشارع بالفصل بتجرد وحيادية والامتثال للقانون دون سواه مع مراعاة قيم العدالة ومصالح المجتمع دون الإهتمام بالمدح أو الذم الذي يعقب كل حكم أو قرار.

لقد أورد الدستور أحكاما غير مسبوقة في باب القضاء ويتعين تجسيد أحكامه بصورة فعلية في القوانين العضوية التي هي بصدد الإعداد لتجسيد سلطة قضائية مستقلة نصوصا وممارسة دون السقوط في مطبات الفئوية والمصالح الضيقة وهذا المسعى لن يتحقق إلا بتوافر النيات الصادقة والأدوات الفعالة.

إن مكافحة الفساد وحماية القيم الاجتماعية هي مهمة القضاة الأساسية وعليهم تسبيب أحكامهم وقراراتهم بصورة مستفيضة تحقيقا للأمن القضائي وإشباعا للشعور العام بالعدالة ويتعين عليهم الابتعاد عن السطحية والغموض المثير للجدل والتشكيك طالما أنه يفترض في الحكم القضائي أنه عنوان للحقيقة والأسباب الواردة فيه تجيب بوضوح عن كل التساؤلات الممكنة وتبرر نتيجته التي يجب أن تكون دوما مطابقة للقانون،  وبخلاف ذلك لا ينبغي أن يكون مصدرا للريبة والظنون وتنبري أطراف أخرى لتبرير مقتضياته بعد صدوره وفي هذه الحالة تتأكد حالة القصور التي تعتريه .

إن معاداة مؤسسات الدولة – والقضاء واحد منها – بنبرة ثورية زائفة ناتجة عن وعي لحظي متهالك يستند إلى مرجعيات فايسبوكية سيقودنا إلى الخراب لأننا ننساق وراء سراب ورؤى ظرفية ذات مآلات موغلة في الغموض والمطلوب من الخيرين في هذا البلد الاصطفاف لتقويم اختلالات تلك المؤسسات بدلا من السعي بجهالة لتدميرها.

يٌؤاخذٌ القضاء بالكثير من العثرات لا يمكن نكرانها، لكنه في كل الأحوال لن يكون طوق نجاة للمفسدين أو حصن حماية لهم كما أنه لن يكون مصلحة ملحقة تتلقى الأوامر لتكريس التعسف والمظالم.

تجربة النقابة الوطنية للقضاة بعد سنتين تثبت أن التغيير من الداخل على صعوبته ممكن ولكنه شاق ومتعب والسلطة على ما فيها من عيوب ونقائص فيها  جانب معتبر من الخيرين والمصلحين، ونضالنا يستهدف المساهمة في تكريس فصل حقيقي بين السلطات بعيدا عن الوصاية والتغوّل ببناء مؤسسات تتكامل فيما بينها ويحد بعضها البعض في إطار رقابي شفاف أسوة بالدول المتطورة التي تعتمد على المعايير المؤسساتية بدلا من الشخصنة المفضية إلى الاستبداد .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى