page contents
أقلام الوطن

يناير رأس السنة الفلاحية بين الحقيقة والأسطورة والسياسة

   إلى عهد قريب جدا كان الاحتفال برأس السنة الليبية أو النوميدية – ولا أقول الأمازيغية لأن هذا الاسم لم يذكره أي من المؤرخين القدماء سواء العرب أو الأعاجم، باستثناء “ابن خلدون” في القرن 14م حيث نسب البربر إلى جدهم “مازيغ بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام”، مضيفا أنهم جاؤوا من قبيلة “حمير” اليمنية العربية، فهناك من قبل تسمية “ابن خلدون” ورفض الانتساب إلى العرب واليمنيين- كان كل الجزائريين يحتفلون به كل حسب موروثه الثقافي والعرقي، فالناطقون بالعربية يسمونه “راس العام نتاع لعرب” والناطقون بالقبائلية يسمونه “ايخف اوسقاس” بلا إضافات.

        لم يحرم أحد من أجدادنا الاحتفال براس العام نتاع لعرب وذلك منذ قرون خلت، إلا منذ سنوات قليلة فقط بعدما ظهر المتسترون بالدين والمتاجرون به لمحاربة ثقافة وهويات المكون العرقي الاجتماعي والعرفي للشعب الجزائري، وفي مقابله ظهرت حركة “الماك” العنصرية المعادية لكل ما هو عربي وإسلامي فلكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومعاكس في الاتجاه.

        وبغض النظر عن طروحات “الماك” والمتشددين الإسلاماويين وسياسة الاستعمار الفرنسي بكل مكرها ودسائسها وتفريقها وتزهيدها في مقومات الشعب الجزائري ومنذ ما قبلها، ونحن نحتفل بطقوس شعبية لا يهم هل هي لوبية، نوميدية، قرطاجية، طقوسية زراعية، تسمى “يناير” أو “راس العام” ووفاء للأجداد واحتراما للأسلاف وتشجيعا للقطاع الزراعي وتربية الدواجن، المهم أننا كنا ومازلنا نحتفل بيناير كموروث ثقافي شعبي مشترك بيننا جميعا.

        بعيدا عن الديماغوجية والشعبوية، أصبح يقدم الاحتفال به كصحوة ثقافية – سياسية – اجتماعية لمظلمة تبحث لها عن مساحات جديدة من خلال التشريع الإلزامي عبر الدستور والقوانين، وهو ما يجعل الاحتفال به منفرا من عفويته الشعبية. فالتيار البربري العنصري الذي يحاول فرض خصوصية ثقافة محلية بكل لهجاتها وعاداتها وطقوسها. فالتيار البربري العنصري ليس من ثقافتنا الأصلية ولكنه نتاج دراسات استعمارية فرنسية، حيث أصبح يقدم نفسه على أنه المتحدث الرسمي والوحيد باسم الأمازيغية، فهو يقدمها كهوية وحيدة للشعب الجزائري وليس كمكوني هوياتي ضمن مكونات الهويات الأخرى للإنسان المغاربي، والطريقة التي دسترت بها الأمازيغية كلغة رسمية وليس وطنية فقط، كل ذلك مرر من خلال تعديلات برلمان مشكوك في شرعيته، وكان ذلك في الحقيقة مجرد عملية وتحضير لاستمرار البوتفليقية.

        المشاهد المشينة التي تم فيها إحياء رأس العام الأمازيغي في بعض ولايات الوطن تعبر عن حالة استلاب ثقافي، فمحاولة تقديم “يناير” في جيجل المستورد من طقوس جيراننا القبائل مثير للدهشة والاستهزاء فهو ضحك على ذقوننا وموروثنا الثقافي الشعبي المحلي، فكلنا يعرف أن لكل منطقة في الجزائر تقاليدها المحلية في الطبخ واللباس والغناء والزخارف وحتى في اللهجات، يجمعها كلها عمق الشمال الإفريقي وهي ليست ملزمة بتقليد عادات وتقاليد الولايات الأخرى. فمحاولة طمس ثقافة أية منطقة في وطننا يقود لا محالة إلى الإقصاء والتطرف وحتى الكراهية، فالثقافة الشعبية لا تستورد ولا تفرض بالقوة مهما كان شكل هذه القوة. لذلك علينا احترام خصوصيات بعضنا والعمل من أجل دعم القواسم المشتركة … الأوطان تقوم على المشتركات الهوياتية، وهي لا تلغي الخصوصيات المحلية، لكن محاولة استغلال السلطة والنفوذ والدستور لفرض المحلي بالقوة وجعله وطنيا، لا يؤدي ذلك في نظرنا إلا للكراهية والفتنة. قد نعذر العامة في جهلها، لكن أن تنخرط النخب الجامعية والإعلامية في ملفوظات الشحن الهوياتي فإنهم يلامون على ذلك أشد اللوم.

        ويبقى “يناير” عيدا فلاحيا يثير فرحة الناس بحبه وعفويته، ما إن تلقفه “شيشناق” المصري الفرعوني اللوبي وباركته السياسة البوتفليقية العرجاء وأنتجت رأس سنة جديدة أصبح اليوم في بعض جهات الوطن منطلقا للسخرية والاستهزاء والكراهية. فمظاهر الاحتفال به أبعدته نهائيا عن طابعه الثقافي الشعبي وحولته إلى كرنفال دعائي من رقص ولبس للأقنعة، والهيدورات، لسنا ضد الاحتفال به ويمكن للثقافة النوميدية أن تكون لبنة قوية في رص الوحدة الوطنية الهوياتية بما في ذلك دول شمال إفريقيا، لو ترك ذلك للبحوث العلمية الأكاديمية … أما أن يترك الأمر لغير أهله فلا تنتظر أن تجني العنب من الشوك.

عز الدين معزة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق